العنوان الخطأ في الوقت والمكان الخطأ

محمود المداوي
معظمنا إن لم يكن جميعنا يعلم ويعرف قصة دون كيشوت الذي قرر أن يحارب طواحين الهواء.. حكاية تستخدم كأمثولة تترجم ليس فقط حالة الخواء الفكري والروحي الذي يعيشه بعض الناس فيذهب به خياله المتعب إلى اختلاق ما يملأ به ذلك الخواء بخواء آخر لتكون النتيجة خواء في هوة عظيمة لا قرار لها إلا الخواء، والخواء هنا يفضي إلى مصير مجهول ومعتم لشعب لا حول له ولا قوة سوى أنه يناضل منذ سنوات لاستعادة حقه في الحياة والعيش الكريم واستعادة دولته الجنوبية.
 للأسف الشديد هذا هو حالنا في هذا الجنوب الذي تكاد تكون فيه الأمور واضحة وضوحا تاما ولا غبار عليها، ونجد هنا من يريد أن يوهمنا أن هناك مرونة سياسية تمارس والحقيقة والواقع يقولان لنا أن كل ما نسمعه ونراه في هذه الأيام لا علاقة له بمرونة سياسية ولكنه الخواء السياسي وفي أوضح صوره، وإلى حد الاستهتار وأيضا الاستفزاز.
حقيقة صادمة كهذه ربما لا تكون كذلك لمن يعيشها ويمارسها وتعد أمرا طبيعيا بالنسبة له، غير أنها لمن ينظر إليها عن بعد فهي مريرة وصادمة بل وكاشفة عن اختلال في السلوك الآدمي القويم الذي إذا ما غض الطرف عنه استفحل وانتشر، وهذا هو للأسف ما نعيشه في بلادنا هذه الأيام، إذ نرى ونعايش كثيرا من السلوكيات التي طالت بنية المجتمع الأخلاقية والثقافية فوجدت لدينا جماعات دون كيشوتية بدلا من الأفراد تتوهم وتعيش على مثل هذا التوهم المريض في اختلاق وافتعال مشاكل من العدم وهي أول من يعرف أنه لا وجود لهذه المشاكل ولا للأعداء الذين يتصورونهم في حياتهم، بل هو الوهم وهو أيضا الفراغ والخواء الذي وصلت إليه هذه الجماعات التي تتجسد اليوم في الحكومة الشرعية التي لم يتغير من سلوكياتها شيء سوى أنها تستزيد بأوهام الحكومة الفاشلة السابقة وتضاعف من معاناة الناس في المناطق المحررة بدلا من التخفيف عليهم والحد من التدهور العام الذي تعيشه هذه المناطق وعلى مستوى الجنوب كله، وكأن هذا الجنوب بالنسبة لهم حقل تجارب لعرض إخفاقات الشرعية فيه، بل والتباهي بهذه الإخفاقات وكأنها نجاحات وإنجازات خارقة في سوق الزيف الإقليمي والعالمي.
وللأسف، فإن هناك من الجنوبيين أنفسهم- وهم قلة- من يروج لذلك تحت قاعدة «دعه يعمل دعه يمر»، ولكن كعنوان خطأ في التوقيت والمكان الخاطئين.. وهنا ليس عندي من دليل واضح يؤكد ما تقدم عرضه غير إعلان وزير إعلام الشرعية الأخير بصدد إعادة تأهيل إذاعة عدن وقناة عدن التلفزيونية، واعتماد مبلغ وقدره أحد عشر مليون ريال يمني للبدء في تجهيزهما للعمل خلال شهري نوفمبر وديسمبر من هذا العام، هو تصريح استفزازي وفي هذا التوقيت لإرادة الجنوبيين جميعا وللمجلس الانتقالي الجنوبي بكل هيئاته سياسيا، ولابد من رفض هذا الإعلان والخروج من حالة المراوغة السياسية التي جدت على توجهات المجلس في هكذا مسألة يراد بها النيل من ثقة الجنوبيين بمجلسهم الانتقالي وقيادته. فالإعلان كما يبدو في ظاهره أمر اعتيادي في مسار إعادة تفعيل الخدمات كما التزم به رأس هذه الحكومة، غير أنه إعلان يحمل في خباياه نوايا سيئة على طريق استمرار تدجين الجنوبيين.
التماهي مع الغايات الشرعية التي تستميت هذه الأخيرة عليها في فرض الوحدة المنتهية من جديد وبمسميات أخرى هي أيضا لم يرتضِ بها أبناء الجنوب بل قدموا في سبيل رفضها الشهداء تلو الشهداء، ومن غير المعقول ولا المقبول أيضا قبول استفزاز الشرف والكرامة الجنوبية ومن داخل عدن التي يتباهى ويفتخر أحرارها أنها عاصمتهم التاريخية وأنها محررة وإلى كل الجنوب المحرر.. استفزاز كهذا هو استفزاز متعمد ومقصود به إرباك الساحة الجنوبية التي تستعد ليس فقط للحوار الجنوبي الجنوبي ومباحثات المبعوث الأممي جريفيثس، بل والاحتفال الجنوبي برمزية ذكرى الاستقلال الوطني الأول، ولما لهذه الرمزية والاحتفاء بها من معان ورسائل وطنية وإقليمية ودولية.
هذا هو الاستكبار بعينه، غير أنه هنا استكبار مترع بالغباء والاستهبال الذي اعتدنا عليه من جميع حكومات الفشل الذريع ولا تستثنى منه حكومة معين عبدالملك المهزومة من داخلها لأنها نتاج تراكم سياسة اتسمت بالغطرسة والهيمنة والاحتلال الذي يعاني منه شعب الجنوب منذ العام 1994م، وبتغطية إعلامية غير مسبوقة تصور للعالم بأن هذا الاحتلال هو الحق المبين وغيره هو الباطل والعدوان، وهذه صفاقة ما بعدها صفاقة، ولكن لا خجل ولا حياء. أمر كهذا لم يعد صادما لشعب الجنوب، بل إن ما يصدم شعب الجنوب هو أن ينبري لنا من يدافع عن هذه الشرعية الفاشلة وخيباتها من الجنوبيين أنفسهم وقيادات محسوبة على المجلس الانتقالي وجمعيته العمومية وتحت مبرر واهٍ ومعروف لنعطي رأس هذه الحكومة مزيدا من الوقت أو بالأحرى عبر وزاراتها المختلفة لإثبات جدارتها في إنجاز ما عجز عنه من سبقه. ونحن نعرف قبل غيرنا أنها سياسة مرسومة سلفا لكي يقال عن هذه الحكومة ورئيسها إنه المنقذ الذي سيعبر بالبلاد إلى بر الأمان.. هل هناك مزحة أسخف من هذه المزحة؟!
إنه منطق عجيب بل ومقلوب كون هذا لم يأت عن جهة خصم الجنوب الواضح والمعروف، بل من قياديين وسياسيين جنوبيين يؤكدون لنا أنهم لا علاقة لهم بالسياسة، غير أنهم يعبرون عن آرائهم هم لا غير، وهي أراء ووجهات نظر دحضتها وتدحضها الوقائع والحيثيات، فكل رئيس وزراء تأتي به شرعية نظام الاحتلال اليمني التي تعد اليوم هي واجهة لنظام الاحتلال وينفذ ووزراءه وفي مقدمتهم وزير الإعلام سياسة الكذب والبهتان والغطرسة لنظام الاحتلال الذي لابد له أن يرحل غير مأسوف عليه.. ويكفي أن نخلص إلى توجيه النصح بأن نتجنب اتباع كل ما هو مشبوه ومسيء قولا وعملا وتحت يافطة المرونة السياسية، فالواقعية السياسية اليوم تشير علينا أن نستنطق الواقع الجنوبي الذي لا يمكن له أبدا التفريط بتضحيات ودماء الشهداء والعودة إلى الوحدة التي يعرف دعاتها قبل غيرهم أنها انتهت وليس لها وجود إلا في أضابير الشرعية الفاشلة مهما تفننوا في أشكال إعادتها وإن غيروا المسمى والعنوان.    ​