القانون الدولي ومعضلة النعمان مع المجلس الانتقالي!

د. مروان هائل عبد المولى

د. مروان هائل
د. مروان هائل
تم فصل تشيكوسلوفاكيا إلى دولتين هما جمهورية التشيك وجمهورية سلوفاكيا، ولم تكن هناك أي  مشاكل، وتفكك الاتحاد السوفيتي وعلى أنقاضه تشكلت 15 جمهورية تم الاعتراف بها  وجميعها أصبحت أعضاء في الأمم المتحدة، كذلك الأمر مع جنوب السودان وتيمور الشرقية وكوسوفو الصغيرة في البلقان، أضف على ذلك هناك استفتاءات تاريخية حدثت حول العالم تطالب  بالحكم الذاتي والاستقلال في جرينلاند وأرخبيل كاليدونيا الجديدة واسكتلندا، أما في حالة اليمن فإن مجرد الحديث عن فصل الجنوب عن الشمال والعودة إلى ما قبل 1990 فهذا الحديث بالنسبة للبعض يثير القلق والهلع، لأنهم سيخسرون ثروات هائلة في الجنوب، ولهذا ربط هؤلاء البعض حالة فصل الجنوب بالسياسة المغلفة بالتهديد والوعيد قبل قراءة القانون الدولي وقواعده ودون احترام للخط الفاصل بين القانون الدولي والسياسة.

تايوان غير معترف بها عالمياً على أنها دولة، ولكن لا تزال تعمل بشكل مستقل عن الصين في معظم الأمور وتملك علاقات دولية واسعة، إذ تعد مساءلة الاعتراف باستقلال الدول واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في القانون الدولي، ولا يوجد اليوم تعريف واحد واضح وثابت لمفهوم «الاعتراف بالدولة»، لأن الاعتراف بالدول هو عمل فردي وجماعي مرتبط بالامتثال لقواعد القانون الدولي، وهناك نظرية  تصريحية تقول إن الدولة معترف بها كموضوع للقانون الدولي وقت تشكيلها أو ما يسمى بالحق الفعلي، ولا تتطلب أي اعتراف من قبل كيانات في القانون الدولي، هذه النظرية مجسدة في عدد من الأعمال الدولية. على سبيل المثال، وفقًا للمادة 3 من اتفاقية مونتيفيديو لحقوق والتزامات الدول لعام 1933، «لا يعتمد الوجود السياسي للدولة على اعتراف الدول الأخرى»، حتى قبل الاعتراف للدولة الحق في حماية سلامتها واستقلالها لضمان الحفاظ عليها وازدهارها وبالتالي لتشكيل نفسها  بالطريقة التي تراها ضرورية للتشريع وفقًا لمصالحها وإدارة خدماتها  وتحديد الاختصاصات.

والجنوب كان دولة ولا زال يحتفظ بكل هذه السمات بعد تحرير أرضه من لصوص دولة الوحدة الزائفة وناهبي الثروات، كما أن الجنوبيين في الوقت الحالي اثبتوا للعالم أجمع بعد فشل الوحدة مع الشمال عزمهم على استعادة دولتهم من خلال البناء والثبات الداخلي والزيارات الخارجية ومحاربتهم لكل أشكال الإرهاب والتطرف، وهو ما ينسجم مع متطلبات منظمة الأمم المتحدة في الحفاظ على السلم والأمن  العالمي.

الكاتب والسفير السابق مصطفى أحمد النعمان تناول في مقال غير نزيه وغير موضوعي انتقادات للمجلس الانتقالي وهذا حق طبيعي له، وأنا لست محاميا عن المجلس الانتقالي، ولكن لابد من كلمة حق تقال، لأن سعادة السفير لم يوضح وبإنصاف بأن المجلس الانتقالي هيئة سياسية جنوبية مثلها مثل بقية التشكيلات السياسية الجنوبية، التي توازي القوى السياسية في الشمال، ولكن الانتقالي الأثقل والأكثر حضورا وتأثيرا في الساحة الجنوبية وأن اختلاف الآراء والرغبات معه شيء وارد وصحي وعدم توضيح ذلك فهو لؤم وخبث بغطاء دبلوماسي واضح.

كما أن عزف سعادة السفير على وتر احتكار التمثيل الجنوبي للانتقالي تعتبر سيمفونية قديمة ومكررة في مقالته القصد منها التشويش على فكر القارئ الجنوبي بالذات وشحنة ضد الانتقالي، مع أن مساءلة التمثيل الجنوبي داخليا وخارجيا متعددة وواضحة وليست متروكة للانتقالي فقط، وهو يعرف ذلك، وتجاهل سعادة السفير أيضا وبتعمد القول إن رغبة الانفصال هي من توحد 90 % من الشارع الجنوبي رغم تعدد المكونات السياسية الجنوبية إلا من رحم ربي، واستفاد من فترة عفاش ولا زال يستفيد من أتباعه ومن حزب الإصلاح والحوثيين، والمعيب أن يكون سفير سابق ويكتب: «ولا يكفي الإعلان عن البقاء ضمن التحالف العربي أو التعاون مع المجتمع الدولي في مجال مكافحة الإرهاب ليكون جواز قبول المجلس كممثل وحيد للجنوب»، وتناسى وهو دبلوماسي أن الهدف الرئيسي لجميع دول العالم الأعضاء في الأمم المتحدة هو الحفاظ على السلم والأمن العالمي، الذي اليوم الجنوب يجاهد من أجل هذا الهدف والانتقالي أولهم بعيداً وبشكل مستقل عن حظيرة الهضبة المقدسة وإرهابها، ويا ترى بماذا يفسر سعادة السفير مصطفى الدعوات الرسمية التي تلقاها المجلس الانتقالي من دول أعضاء دائمة في مجلس الأمن مثل روسيا وبريطانيا، إن كان هذا المجلس الانتقالي ليس الممثل الوحيد والأقوى في الجنوب.

بالمناسبة يا سعادة السفير مصطفى، روسيا وبعد الدعوة الرسمية لقيادات الانتقالي والمشاورات معهم في موسكو عبرت ومن خلال سفيرها في اليمن عن اعتزامها إعادة تجهيز قنصليتها في عدن، وهذه الخطوة ليس دبلوماسية عشوائية، وإنما الروس يجيدون لعبة التمثيل الدبلوماسي المتعدد المفاهيم  والمغزى في سياستهم الخارجية، وما عليك يا سعادة السفير إلا العودة للتاريخ المعاصر للدبلوماسية الروسية ومواقفها من قضايا الاستقلال وحق تقرير المصير مثل في أوسيتيا الجنوبية و ابخازيا وجمهورية ملدوفا وانفصال جمهورية بريدنيستروفيا عن جمهورية ملدوفا.

يا سعادة السفير مصطفى أنت والسفير علي أحمد العمراني وبعض من يشبهكم من المحسوبين على الدبلوماسية والنخبة اليمنية عليكم بقراءة القانون الدولي جيداً قبل أن تلبسوه عمامة سياسة الهضبة المقدسة لديكم، خاصة وأن أغلبكم مقيم خارج اليمن، وتدركون أن العالم يتغير كل يوم، وتدركون كذلك أن المكونات السياسية الجنوبية ليست مقدسة، ولكن افتحوا ضمائركم وأبواب المسؤولية والحقيقة عند انتقادها، وعلى فكرة يا سعادة السفير عصر الأمنيات الذي  اتهمت فيه الجنوبيين  قد ولى بغير رجعة  وبدأ عهد إحقاق الحق، ويا ليت تركز في كتابتك مثلا على ظاهرة  اختطاف الفتيات في صنعاء وعلى معارك ومعاناة الناس في تعز وحجور والحديدة، وعن المخزنين في جبهات نهم ومأرب وصرواح، بدلا من الاصطياد في الماء العكر ودق أسفين بين المجلس الانتقالي والشرعية فهؤلاء خليط إخوة من الشمال والجنوب، والطرفان  قبل الوحدة كانوا أبناء دولتين جارتين مستقلتين نادرة الصراع السياسي والعسكري، والسكان في الدولتين كانوا أسرة واحدة رغم الحدود، ولم يكن بينهم قتل وظلم ونهب، إلا بعد الوحدة وانقلاب  قبائل الهضبة على كل مفاهيمها وأسسها وقيمها الأخوية والإنسانية، واليوم لا زال هناك من يتوهم بأنه قادر على إعادة الحياة للجسد الميت عبر استخدام الأقلام السوداء أو الشعوذة السياسية للزعيم الهالك وطلاسم السيد والشيخ وتعويذات الإرهاب أو شم أبخرة ورق شراء الذمم، هؤلاء يتجاهلون حقيقة أن من يزرع الخوف والظلم لا يحصد الحب والأخوة، وكلنا كنا نفضل أن يكون حالنا واحدا ومصيرنا كذلك، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل في من كان السبب في فشل الوحدة اليمنية.