رقصة الوجع!

منال محمد

رقصة الوجع!
رقصة الوجع!
نعم لقد تراقصت أوجاعي على خشبة مسرح حبنا الذي كان عبارة عن كذبة ككذبة أبريل..
نعم إنها كتلك الكذبة بالضبط، ما زلت أذكر ذلك اليوم حين كان يعزف في ذلك المكان القريب مني، وإذا بي فجأة أسمع صوت المعزوفة التي يعزفها فإذا بقلبي يشده الحنين يمينًا ويسارًا محاولًا تتبع صدى المعزوفة واللحاق بها، وفعلاً لم يخب إحساس قلبي، فسمعت صوت المعزوفة بوضوح. أسرعت الخطى نحو المكان حيث كان يعزف، حينها تفاجأت برؤيته يعزف تلك المعزوفة التي يملؤها الحزن والأسى وعينيه اللتين كان يُقام فيهما مراسيم العزاء، ليتني لم أرهما، فبداخلهما رأيت حزنَ ومأساةَ الولد اليتيم الذي فقد أمه وهو في السابعة من عمره في ليلة شتاء غارسة، نعم هكذا كانت مأساة حبنا لم أحتمل الموقف ولم يطاوعني قلبي؛ لأقف مكتوفة اليدين، صرختُ فجأة بصوت عالٍ طالبة منه التوقف عن العزف، قلت له بصوت امرأة غريبة وكأنها لا تعرفه: يا هذا توقف عن العزف فأنت تعزف على جراح قلبي وهذه المعزوفة شاهدة على موته.

فلم يعد ينبض بالحب كما كان لقد مات، نعم لقد مات ذلك القلب حين ظن أنك نبضه، لم يأبه لي ولم يصغِ إلي ولم يرد على صرخات قلبي الذي يتقطع قطعًا صغيرة مع كل معزوفة يعزفها والتي أسماها معزوفة الموت.. يا لها من لحظات مريرة لم يتحملها قلبي ولم يستوعبها عقلي! نعم إنها حقيقة مؤلمة.. ماذا عساي أن أفعل حينها غير تلك التلويحة التي لوحت بها بقدمي؛ لأقف شامخة وأرقص تلك الرقصة التي أسميتها (رقصة توديع الماضي ودفن جثمانه) هناك في ذلك المكان على لحن معزوفة الموت؟ حينها بدأت بالرقص كنت أرقص بطريقة احترافية رائعة جدًا حتى أنني لم أعرف نفسي، وكيف لي إتقان تلك الحركات التي لا تجيدها إلا راقصة باليه محترفة ومتمكنة بهذه الرقصات، كنت أتقن الحركات بطريقة عجيبة جدًا حتى أنه اندهش من رقصتي فكان ينظر إلي بأعجوبة ودهشة بعينين يملؤهما الدمع و الحزن والأسى، وكأنهما أسيرتان في زنزانة المؤبد.. كنت حينها أتمايل يمينًا ويسارًا فتتطاير مني كل مواجعي؛ لتطير مع غبار الهواء متجهة إلى شاطئ النسيان.. حينها كنت أرفع قدمَيّ بطريقة احترافية عجيبة، كنت أحاول أن أعدل من وقفتي؛ لتظل أوجاعي متوازنة ما بين الماضي والحاضر، ولكن شيئًا هناك يشدني نحو الماضي والغوص في أعماقه؛ لتظهر تلك الأوجاع والآلام من جديد فتلقي بي عاجزةً منكسرةً كطائر فقد جناحيه، فماتت حريته؛ ليظل سجينًا بين أسوار وذكريات الماضي، هكذا كان حال قلبي أمام معزوفة الموت التي عزفها ذاك التمثال، نعم إنه تمثال حبي، عزفها عند تلك الصخرة على الضفة المواجهة لطريق الموت، حيث تُقام مراسيم توديع حبنا، نعم هناك انتهى حبنا عند تلك الصخرة السوداء التي كُتبت عليها طلاسم السحر الأسود، والتي لن نستطيع تفكيك رموزها؛ لنبقى على قيد الحياة.​