حين قرر السلطان قابوس أن تشارك عمان في غزو إيران

«الأيام» ساسة بوست

لم تكن على الحياد دومًا..
لم يكن السلطان قابوس دائمًا هو صانع السلام الحكيم الذي يُشاد به اليوم. إذ روت وثائق حكومية أمريكية رفعت عنها السرية مؤخرًا مغامرة نادرة، إذا نُفِّذَت كما أراد السلطان، ربما أدت إلى عواقب مهلكة. فعندما اندلعت الحرب بين إيران والعراق (1980 - 1988)، سمحت عُمان للعراق باستخدام قواعدها، لكنها سحبت الموافقة بناءً على طلب الولايات المتحدة، ثم تبنت مسقط موقف الحياد طوال الحرب.

قابوس لكارتر: «أنا الآن في ميدان المعركة»
في سبتمبر  1980، شارك قابوس في مهمة محفوفة بالمخاطر مع الرئيس العراقي صدام حسين لضرب البحرية الإيرانية في الخليج. في 27 من الشهر ذاته -بعد خمسة أيام من غزو العراق لإيران على أمل تحقيق نصر سريع- أبلغ قابوس إدارة الرئيس جيمي كارتر بأنه، أيضًا، دخل المعركة.
لم يكن قابوس، خريج جامعة أكسفورد والأكاديمية العسكرية البريطانية، من المعجبين بصدام، لكنه سئم من ترويج الزعيم الإيراني آية الله الخميني المستمر للثورة الإسلامية في المنطقة. «بروح التضامن العربي»، وبعد ثلاثة أيام من المحادثات مع المسؤولين العراقيين، قرر قابوس تنفيذ العملية، وفقًا للملفات شديدة السرية.

خلال 48 ساعة التالية، أبلغ قابوس السفارة الأمريكية في مسقط بأن القوات العراقية ستستخدم القواعد العسكرية في مطار السيب الدولي وجزيرة مصيرة قبالة الساحل العماني لشن هجمات جوية مفاجئة على القواعد البحرية الإيرانية. كان الهدف الرئيسي هو: ميناء بندر عباس الأكثر نشاطًا في جنوب إيران.

السلطان قابوس
كان من الممكن أن تُدخِل العملية جيش عُمان الصغير آنذاك بقيادة الجنرالات البريطانيين في حرب مدمرة من شأنها تعطيل إمدادات النفط العالمية، لكن كما أخبر قيس بن عبدالمنعم الزواوي، المقرب من قابوس، القائد الأمريكي ستيفن باك: «لقد حان الوقت لإنهاء الخميني مرة واحدة وإلى الأبد»، معربًا عن خيبة أمله من أن السعودية الأقوى «كانت ضعيفة ولن تفعل شيئًا» ضد نظام الخميني، وفقا لبرقية أرسلتها السفارة الأمريكية في مسقط رُفِعَت عنها السرية عام 2017.

يوم أن قال السلطان  للقائد البريطاني: «اخرس»
اعترض القائد البريطاني لسلاح الجو العماني على الخطة لأسباب لوجستية، لولا أن «جلالته أشار إليه بإصبعه، وقال: أغلق فمك». لكن العملية كانت بالفعل سيئة التخطيط: بقيت المروحيات مكشوفة على المدرج، ولم يأت الطاقم العراقي بأي خرائط أو قطع غيار مناسبة، ولم يكن من سبيل سوى إخفائها في دار ضيافة السلطان بالقرب من مسقط. ومع ذلك، لم تكتحل عينا المسؤول العماني بالنوم لمدة ثلاث ليال، خوفًا من الهجمات الانتقامية الإيرانية على البنية التحتية والمراكز السكانية الرئيسية في السلطنة.

عندما هبطت القوات العراقية بالقرب من مسقط، انطلق الإنذار الأحمر في واشنطن. في صباح يوم 27 سبتمبر، أجريت المكالمات الهاتفية وعقدت الاجتماعات المحمومة على أعلى المستويات، حسبما تشير الوثائق المتاحة. بحلول الظهر، عقد البيت الأبيض اجتماعًا طارئًا، برئاسة وليام أودوم المسؤول في مجلس الأمن القومي الذي كان يعتقد بأن البحرية الأمريكية يجب أن تُعَبَّأ لمنع اندلاع حريق كبير بالقرب من مضيق هرمز.

اقترح السيد أودوم في مذكرة لاحقة إلى رئيسه زبيغنيو بريجنسكي «تقديم إنذار للعراقيين بعدم مهاجمة الجزر والانسحاب من عُمان». في غضون ساعات قليلة، تلقى العمانيون التحذير الأول. وكانت رسالة واشنطن واضحة: إذا انتقمت إيران من سلطنة عمان، فلن تأتي البحرية الأمريكية للدفاع عنها. كما أرسل البيت الأبيض السفير مارشال ويلي -الذي كان في ذلك الوقت خارج عمان- إلى مسقط لعقد لقاء عاجل مع السلطان.

مصالح وعداء
بحلول الوقت الذي وصل فيه السفير ويلي، كان قابوس قد تخلى عن الخطة المحفوفة بالمخاطر، لكن السبب الرئيس كان التأخير في العملية العراقية، وفقًا لما ذكره السيد ويلي في 29 سبتمبر. ثم بدأت القصة تتسرب، وأصبح الوجود العراقي معروفا على نطاق واسع في مسقط. وأضاف السيد ويلي: «أعتقد أننا مررنا بهذا الأمر فقط بسبب المماطلة العراقية».
عد بضع سنوات -بينما كانت إيران والعراق ما تزالان تخوضان حرب الاستنزاف الوحشية- أثناء رحلة عمل إلى مسقط، أثار السيد وايت الحادث في حوار غير رسمي مع مسؤول أمني رفيع من أجل معرفة من الذي أقنع قابوس بدعم خطط الحرب العراقية. «هز رأسه، وقال بخجل: كان بعض الناس هنا أغبياء للغاية. الحمد لله، أنك تدخلت مع البريطانيين وبسرعة لإيقافه».

كان موقف واشنطن متأثرًا بالاشتباه في أن جزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى الاستراتيجية في مضيق هرمز، حيث يتدفق ثلثا نفط الشرق الأوسط، على القائمة المستهدفة. قبلها ببضعة أشهر، أذن الرئيس جيمي كارتر بمبادرة سرية لتشجيع استيلاء العراق على الجزر الثلاث؛ بهدف الضغط على إيران للإفراج عن أكثر من 60 أمريكيًا احتُجزوا كرهائن في هجوم السفارة الأمريكية يوم 4 نوفمبر 1979، حسبما يظهر في رسالة كتبها مستشار الأمن القومي، زبيغنيو بريجنسكي، إلى كارتر يوم 4 يناير 1980.

واجهت مسقط هي الأخرى تحديًا بشأن تسيير دوريات في مضيق هرمز بالاعتماد على قوتها البحرية الصغيرة، ورأت أنها بحاجة إلى مساعدة طهران. وطوال الحرب، حافظت عمان على علاقات دبلوماسية مع كل من إيران والعراق. بل استضافت محادثات بين الجانبين في مسقط خلال الحرب. واحتفظ السلطان قابوس بعلاقات شخصية مع المرشد الأعلى لإيران آية الله روح الله الخميني.
في عام 1981، انضمت عمان إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين وقطر في تشكيل مجلس التعاون الخليجي، وهو تحالف أقيم إلى حد كبير لردع إيران. ومع ذلك، عارضت عمان إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة خطة المملكة العربية السعودية لدول مجلس التعاون الخليجي بقطع العلاقات بالكامل مع إيران.

إذا كان الحياد أكثر ربحية فلماذا نحارب؟
منذ ذلك الحين تميزت سياسة عمان الخارجية بسمتين رئيسيتين: عدم التدخل في شؤون الآخرين والحياد بين أطراف الصراع. لذلك تجنبت المشاركة في النزاعات الإقليمية والدولية وحاولت دعم الحلول السلمية القائمة على الحوار. على عكس معظم الدول العربية، لم تقاطع عمان معاهدة كامب ديفيد في عام 1979. وتوسطت في العديد من الخلافات الإقليمية المتعلقة بإيران مثل اتفاق إنهاء الحرب الإيرانية-العراقية في عام 1988، وبين بريطانيا وإيران في عام 2007، وبين مصر وإيران عام 1991.

لعبت السلطنة أيضًا دورًا أساسيًا في المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة، كما اعترف بذلك وزير الخارجية الأمريكي جون كيري. وكدليل على تفردها، أعلنت عمان أنها لن تكون جزءًا من مشروع اتحاد الخليج، لكنها لن تعيق الجهود الرامية إلى توحيد دول الخليج الأخرى. هذا الإحجام مدفوع بتنوعها الطائفي، ومخاوفها من فقدان السيادة، إضافة إلى تقاليدها الراسخة على مستوى السياسة الخارجية.

بعد غزو العراق للكويت عام 1990، انضمت عمان إلى التحالف متعدد الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت. لكن مثلما فعلت في الحرب العراقية-الإيرانية، حافظت عُمان على علاقات دبلوماسية مع جميع المتحاربين. وبعد تحرير الكويت، جادل السلطان قابوس ووزير خارجيته يوسف بن علوي بأن العراق كان يشكل تهديدًا أكبر للمنطقة من إيران، ونصحا الغرب بالحوار مع إيران بدلا من عزلها. وفي مايو 1990، زار وزير النفط العماني إيران لاستكشاف مشاريع مشتركة.

خفضت عمان أيضا الرسوم الجمركية على السفن الإيرانية التي تدخل المياه العمانية. وفي عام 1993، سافر قائد البحرية العمانية إلى إيران كجزء من محاولة لضمان الأمن في مضيق هرمز. وفي عام 1995، قام قائد البحرية الإيرانية بجولة داخل قاعدة في عمان. وسرعان ما أعقبتها اتفاقيات ثقافية وتجارية.

من استهداف إيران إلى تهريب أسلحتها للحوثيين؟
تفيد بعض التقارير بأن شحنات الأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين تذهب إلى اليمن عبر عمان. رغم عدم وجود دليل على تورط الحكومة العمانية في تهريب الأسلحة نيابة عن إيران، إلا أن المسؤولين الأمريكيين والخليجيين يخشون من ألا تكون الحكومة العمانية قد اتخذت ما يكفي من التدابير لوقف تدفق الأسلحة. عُمان، التي تشترك مع اليمن في حدود بطول 288 كيلومترا، هي الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تشارك في الحملة العسكرية التي تقودها السعودية ضد الحوثيين، مفضلة البقاء على الحياد ومحاولة التفاوض لإنهاء النزاع.

في أبريل 2015، دعت عمان إلى انسحاب قوات الحوثيين والقوات الموالية للرئيس صالح، وإعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى السلطة، وتحويل الحوثيين إلى حزب سياسي، وضم اليمن إلى دول مجلس التعاون الخليجي، من بين خطوات أخرى.
وبعد شهر، نقلت طائرة أمريكية خاصة بعض ممثلي الحوثيين إلى مسقط لإجراء محادثات مع مسؤولين أمريكيين. والتقى وزير الخارجية جون كيري شخصيًا بممثلي الحوثيين في عُمان في نوفمبر 2016 في محاولة لتنفيذ وقف إطلاق النار وخطة السلام.

غموض الخلافة وتحدي الجغرافيا
كانت البداية انقلابًا قاده السلطان قابوس لخلع والده، اعتمد فيه على مجموعة متنوعة من الحلفاء الذين ينتمون عادة إلى النخبة التجارية، بدلا من أسرته الصغيرة نسبيًا. ثم لم يُرزَق قابوس بأطفال، ولم يعلن عن اسم خليفة حتى الآن، رغم بقائه في السلطة طيلة 49 عامًا؛ لذلك يمثل سيناريو ما بعد وفاته مصدر قلق يتزايد إلحاحًا في ظل إصابته بمرضٍ خطير منذ منتصف 2014.
الجغرافيا العمانية تضيف عاملا آخر يجعل حكم هذا البلد أمرًا ليس باليسير، حسبما يؤكد موقع «ستراتفور»، بل كان توحيد المراكز السكانية المتمايزة، التي تمخضت عن خليط الجبال والصحراء، مبادرةً مُكلِفة. صحيحٌ أن السلطان قابوس حافظ على توازن المصالح الداخلية والخارجية لفترة طويلة، لكن هذا النجاح ذاته قد يكون له انعكاسات خطيرة على استقرار عمان في المستقبل بعد رحيله.

وصحيح أن السلطان قابوس استطاع تدشين علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وقوى غربية أخرى، فضلًا عن علاقاته المتميزة مع الجهتين الفاعلتين الإقليميتين الرئيسيتين، إيران والسعودية، مما هيأ لبلاده لعب دور فريد ومتوازن في المنطقة. لكن تحديًا آخر يتمثل في إمكانية أن تحافظ عمان على سياستها الخارجية المستقلة، ونفوذها الدبلوماسي والاقتصادي في الشرق الأوسط، ليس فقط بعد وفاة قابوس، ولكن أيضًا في ظل استمرار انخفاض أسعار النفط، وتزايد الاضطرابات في المنطقة.​