أين تقف موسكو من التصعيد بالخليج؟

خالد عكاشة

أين تقف موسكو من التصعيد بالخليج؟
أين تقف موسكو من التصعيد بالخليج؟
 هذا سؤال ربما ينتظر الكثيرون إجابة شافية عنه، أو شبه إجابة إذا كان الأمر يبدو معقدًا ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهو كذلك بالفعل. فما بين الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق في تلك البقعة الدقيقة، وضغط العقوبات التي جرى فرضها على طهران حزمة وراء الأخرى، حتى بدت الأخيرة تنتظر السقف الذي من الممكن أن تصل إليه إدارة ترامب، خاصة وهي تضفي على تحركاتها والمشهد برمته غموضًا كثيفًا، بأكثر مما يمكن استقراء تمدداته المنتظرة.

وفي محاولة البحث عن ملامح لتلك الإجابة، نشر «مجلس الشئون الدولية الروسي» ويرمز له اختصارًا بـ «RIAC»، وهو أحد أهم المؤسسات الفكرية الروسية ويحظى بمساحة اقتراب مهمة من الرئاسة الروسية – نشر المجلس تقدير موقف مؤخرًا بعنوان «خيارات موسكو فى أعقاب مواجهة عسكرية أمريكية مع إيران»، واللافت أن النشر الأول لهذا التقدير كان بصحيفة «هيرالد تريبيون» الأمريكية، وربما هذا لمغزى يخص كاتبي التقدير أو المركز البحثي، لكنه في النهاية نُشر بمعرفة المركز الروسي تحت هذا العنوان الكاشف قليلًا للغموض. ولهذا نذهب لاستعراض أهم فقراته وأفكاره التي قرأت أمريكا بعناية، وهذا مؤكد، فضلًا عن نشره في هذا التوقيت المبكر والفارق من الأزمة التي ما زالت تراوح فصولها الأولى.

في مقدمة التقدير، بدا هناك حرص على التذكير بمجموعة نقاط جاءت كما يلى: أنه مع تغيير التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى ما هو أبعد من خطة العمل الشاملة المشتركة ـ الاتفاق النووي الإيراني ونحو مواجهة عسكرية محتملة، بات العامل الروسي أكثر أهمية. فسياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط تتميز بالأعمال المتوازنة، التي تضمن لها دورًا كقوة توازن حيوية وفعالة. حيث يمكن أن يؤدي سقوط إيران، إلى تقويض قدرة موسكو على تحقيق التوازن في منطقة الشرق الأوسط. في الوقت نفسه، حققت روسيا وإيران تقاربًا أمنيًا كبيرًا لمواجهة التهديدات المشتركة، وتكييف الاستراتيجيات من خلال إعادة النظر في النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، بينما سيساعد عدم انخراط روسيا في القضايا التي تقلق قوى الشرق الأوسط الأخرى، وعلى رأسها الهجوم الذي تقوده الولايات المتحدة على إيران، في تعبيد الطريق أمام الهندسة الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ما يتيح لواشنطن قوة أكبر. هذه التطورات تفتح المجال واسعًا أمام الكثير من التكهنات حول إلى أي مدى ستنخرط موسكو في أي مواجهة عسكرية محتملة، بين إيران والولايات المتحدة.

ثم ينتقل التقدير لمنطقة أهم، وهى أن موسكو يمكن أن تستفيد ماليًا من إيران عندما تكون الأخيرة معزولة سياسيًا، وأقل قدرة على التنافس الاقتصادي. لكن الآثار الجيوسياسية الناتجة عن تغيير النظام في طهران، ستفوق الفوائد الاقتصادية المحتملة بصورة أكبر. حيث تشكل المواجهة المباشرة بين طهران وواشنطن، التي يمكن أن تعيد القوة العسكرية الأمريكية الرئيسية، تحديًا جيوسياسيًا يهدد مصالح روسيا في الشرق الأوسط. لذلك ألقت موسكو باللوم على الولايات المتحدة، لاستفزازها إيران، وأظهرت معارضتها للضغوط المتزايدة من الولايات المتحدة على برنامج طهران الدفاعي، من خلال الاعتراف بمشروعية مصالح إيران الدفاعية. فضلًا عن ذلك، فإن انخراط روسيا النشط في السياسة العالمية الذي كثفته في السنوات الأخيرة، بعيد عن النزعة السلبية النسبية التي ميزت رد فعل موسكو، تجاه الحرب اليوغوسلافية أو الغزو الأمريكي للعراق. لذلك لن يكون الأمر مفاجأة إذا ما قررت روسيا اتخاذ خطوة تتجاوز مجرد الدعم الدبلوماسي لحماية مصالحها في الشرق الأوسط، بما في ذلك مساعدة إيران عسكريًا. على اعتبار أن موسكو وطهران قامتا بإضفاء الطابع المؤسسي على تنسيقهما العسكري من خلال الاتصالات العسكرية والاستخباراتية رفيعة المستوى. ما يمكن أن يفضي إلى استعداد موسكو لتوسيع مساعدتها لإيران بما يتجاوز التدابير الدبلوماسية.

كما يؤكد التقدير أن الطموح العالمي الذى تمارسه روسيا اليوم يستدعي أن تقوم موسكو بالرد المناسب على أي سياسة أمريكية متشددة حيال إيران. فمن بين تطلعات بوتين الأساسية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، إعادة تعريف روسيا كقوة عظمى معترف بها عالميًا. من أجل تحقيق هذا يتعين على موسكو أن تظهر مقدار التأثير الذي تتمتع به على الصعيد العالمي، لا سيما عندما تكون هناك أزمة أمنية دولية كبيرة موضع تنازع. فالإخفاق في إظهار درجة كبيرة من المشاركة في الأزمة الناشئة سيضر بشكل كبير بمكانة روسيا، ويقوض وضعها كقوة عظمى كما تدعي روسيا. لكن يبقى انخراط روسيا المباشر في الصراع الأمريكي الإيراني، في حالة حدوث مثل هذه المواجهة، أمرًا غير مرجح. ربما تتخذ موسكو خطوات حذرة لتعزيز قدرات الردع الإيرانية، ومن غير المؤكد أيضًا أن تجري موسكو أي تغييرات جذرية في سياستها القائمة على عدم تزويد طهران بالأسلحة الهجومية. هذا لا يعني أن موسكو لا يمكنها تعزيز قدرات طهران الدفاعية، فالعلاقات العسكرية بين طهران وموسكو في السنوات الأخيرة يمكن أن تعطي صورة للخطوات العملية التي قد تتخذها موسكو لمساعدة طهران. فمنذ عام 2011، تطور التعاون الروسي الإيراني في ثلاث نقاط رئيسية: مبيعات الأسلحة، ويأتي في مقدمتها أنظمة «S 300» وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول داعش، والتعاون المعلوماتي في المعارك السورية الذي يأتي في شكل تنسيق المعارك المشتركة في سوريا. أضفى هذا ركائز متقدمة للتفاعل بين البلدين، مدعومة باللجان المشتركة لتسهيلها، كما رسخ الطابع المؤسسي في التعاون العسكري بين موسكو وطهران خارج سوريا. لذلك يبقى من المرجح أن تكون المشاركة الروسية في الصراع الأمريكي الإيراني قائمة على هذا النمط الثلاثي.

قد يكون الخيار الأول لموسكو في الرد على التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، هو تعزيز قدرات نظام الدفاع الجوي الإيراني لكبح التفوق الجوي الأمريكي. حيث أظهرت المشاركة الروسية في سوريا أن الكرملين واثق من استخدام أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة لتغيير ميزان القوى وسط المعارك المستمرة. كما كشف عن استعداد موسكو لتعديل التوازن العسكري في المنطقة عبر الإمداد السريع بالأسلحة. وبالتالي، ربما تحتفظ روسيا بخيار تحسين القدرات الدفاعية لإيران، من خلال تزويدها بوحدات أكثر تقدمًا، في حال كان هذا ضروريًا. عبر توفير بطاريات «400 S» أو أنظمة الحرب الإلكترونية الأرضية، والتي يمكنها إعاقة التفوق الجوي الأمريكي، هذا يشكل جزءًا من استجابة روسيا، كما يمكن لهذه الأنظمة المتقدمة المعرقلة للتفوق الجوي أن تحسن قدرات إيران بشكل استراتيجي. لكن تبقى هناك بعض القيود الفنية بما في ذلك التدريب والمتطلبات التشغيلية للأنظمة الحديثة، عندما تصبح إيران على وشك مواجهة الولايات المتحدة حينها لن تخاطر موسكو بإرسال موظفين روس إلى طهران لتشغيل هذه الأنظمة.

بالإضافة لما سبق، فإن أحد أشكال الرد الروسي المحتمل هو نشر الأصول العسكرية الروسية في إيران، للحد من نطاق العملية الأمريكية أو تعقيدها. وقد أثبتت روسيا مؤخرًا أنها مستعدة لنشر وحدات عسكرية محدودة في البلدان المتنازع عليها من أجل صد التهديدات التي تعرقل مصالحها. حيث تعد حالة انتشار قوة محدودة في فنزويلا، لردع التهديد الأمريكي دعمًا لـ«حكومة مادورو» هو أحدث مثال على ذلك، حيث وضعت روسيا عمليات الانتشار العسكرية الاستراتيجية كخيار ممكن، ومن المرجح أن تدعم طهران القوات الروسية المتمركزة على الأراضي الإيرانية.

أخيرًا، ربما تزود روسيا إيران بمعلومات استخباراتية قبل أو أثناء اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة، ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي توفر فيها روسيا لحلفائها هذا النوع من المساعدة. وإن ظل من الصعب الافتراض بأن روسيا ستوفر بيانات مراقبة واستطلاع مكثفة لإيران، لكن الوصول المحدود إلى المعلومات المتعلقة بنشر القوات والمعدات والمواقع الأمريكية يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في تحسين قدرات إيران الدفاعية. لذلك فرغم أن موسكو لا تنوى الانخراط في صراع عسكري بين إيران والولايات المتحدة، فإن هذا لا يعني أن روسيا ليست لديها خيارات أخرى سوى البقاء غير النشط. فموسكو مؤكد لا ترغب في حدوث تحول كبير في القوة بمنطقة الشرق الأوسط لصالح الولايات المتحدة. بالتالي، ليس من المرجح أن تتخذ موسكو موقفًا محايدًا تمامًا من الحرب التي تلوح نذرها في الأفق. حيث لا تزال روسيا تحتفظ بعدد كبير من الخيارات في جعبتها للتأثير على توازن القدرات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، فهي بعيدة عن أن تُغير قواعد اللعبة، أو قلب مجريات الحرب، لكنها بالتأكيد تستطيع خلق عقبات كبيرة أمام جهود واشنطن الحربية، وهذه الخيارات تجعل المغامرة الأمريكية في إيران أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه في البداية.

«الدستور»​