مرارة الفقد.. قصة قصيرة

قصة/ حريصة شريم

أحسَّت سلمى وهي تُكلِّمها بالهمّ يعتري صوتَها فيَرمُسه، وبالبكاء يتحوَّل في صدرها اختناقاً يمنعها كبرياؤها أن تُظهِره، حاولت جاهدةً أن تُخفِّف عنها شجنَها هذا، أن تُلملِم زهورَ ربيعِها من على رصيف الفَقْد، فتُقدِّمها إليها باقةً من كلمات حانية، مُشفِقة مُحِبّة، لكنّ صوتها ما زال مُختفِياً، آذاه التعبُ، وليل الحرمان كان كفيلاً بألاّ يتبدَّى الفجرُ على وجهها أبداً، أخذت سلمى تُلقي عليها كلماتٍ تُحاوِل أن تُواسيها، تُخاطِبها تَهُزُّ فيها كلَّ شعورٍ كان يَنبِض بالأمل، تسألها عن حالها، وهي تعلم، لكنها تريد لها أن تتكلّم، أن تبوح بحُزْنها، أن تبكي كثيراً، لعلها تهدأ بعدها، وتَسكُن!

• أأنتِ بخير؟
• بخير، يا ابنتي..
• لِمَ يُخبِرني صوتُك أن شيئاً ما يُضايقك؟! أخبريني، ألستُ في مقام ابنتك؟!
• بل أنت ابنتي، تعلَمين أنه ليس لديَّ أبناء! لا أدري، يوم الجمعة أخذتُ أبكي دون أي سبب.

• ممَّ؟ لِمَ تركتِ الدارَ إذًا وأتيتِ بيتك تجلسين وحدك! هناك يُشعِرك صوتُ الناس من حولك بالأنس، يُسليك حتى النظر إليهم ومشاركتهم الطعام، ستَنْسين حُزْنك إذا ما تَحدَّثت إليهم!
• لعَلِّي أعود قريباً..
• ليتني أُحسِن زيارتَك دائماً.. أَعِدك بأن أراكِ قريباً، كوني بخير؛ لأنّي أحبك، وأسعد إن كنتِ سعيدة!
• إن شاء الله، دعيني أراك حقّاً.

أحسَّت سلمى بالذنب يُمِضُّ فؤادَها، كان يجب أن تسأل عن أخبارها، ما كان عليها أن تتركها كلَّ هذه الفترة، دون مُهاتَفة واحدة.. أبكاها كثيراً، بكاء أم أشرف، والتي تعلم سببَه، يوم الجمعة في بيت وحدَها، لا يُؤنِسها إلا جدران بيتها، تُذكِّرها برائحة زوجها، فتَزيد تأوُّهاً، تتلوَّى مِن مرارة الفقد!
أغلقتْ سلمى سماعةَ الهاتف، تبكي لبُكائها وفِقدانها ووَحدتها، وتبكي نفسَها التي تَجزَع لأقلِّ شوكة تُشاكها في هذه الحياة دون أن تُبصِر نِعَم الله الكثيرة عليها، والتي لا حدودَ لها. أغلقتها وهي تشعر بالحبِّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تُدرِك لِمَ أوصى بالأرملة.. أوصى كثيراً، ما أروع إحساسَه! وما أجمل وصاياه، لو أننا نعمل بها!​