خيوط الحقيقة

سماح بادبيان

وجهي متصلب وأملس، حين تمرر يديك عليه تحسه ناعماً في ملمس الحرير، بلون أبيض وتفاحتين في خديّ، تعلوهما عينان واسعتان، ولي فم صغير أحمر نصف مفتوح، يداي ورجلاي هي كل ما يتحرك مني، جسدي مبطن بالقطن الناعم، ويكسوه رداء حريري أخضر بحزام جلدي، وكنت أعتمر قبعة جندي ذلك اليوم.
الشمس مشرقة، وبضع غيمات بيضاء تزين وجه السماء، والجو معتدل، وأنا أقفز وأجلس وأرفع يدي، وعشرات الأعين مصوَّبة نحوي، تتأملني بشغف، وتراقب حركاتي باندهاش.

أنحني أمام الملك، أطوي قدماً وأرتكز على الأخرى وأرفع ذراعاً إلى الأعلى بسيف لامع، استبدلناه لاحقاً ببندقية صغيرة تناسب قامتي، وأقسم بشرفي على نصرة الحق، لم أعلم من أين ينبع صوتي الجهور في تلك اللحظات ولكنني كنت فخوراً به.
يتوارى الملك من أمامي سريعاً، وأبدأ بتبوّء دوري البطولي بطعن كل من يخرج عن سلطة ملكي ويخالف أوامري، ثم أصبحت أكتفي بصوت الرصاص ورؤيتهم يتساقطون أمامي حين استبدلنا السيف بالبندقية.

في كل مرة تبرز من خلفي دمية بلباس شعبي تصرخ ضد ملكي أسقطها ميتة، وتبرز أخرى، ثم حشد منها ووحدي أرديها، وأنتصر..
ثم يظهر الملك في النهاية فأنحني أمامه وحدي، وقد خلا المكان إلا مني، بينما تصفق عشرات الأيدي لنا.

في الحقيقة أنا لست جندياً ولا تبدو علي سمات البطولة، ولكنني ممثل، غالباً ما كنت فارساً مغواراً وأحببت دوري هذا.
ننتقل من قرية إلى أخرى، تتغير الوجوه التي تنظر إلي، ويتغير لباسي لوناً وشكلاً، فبعد أن كان أزرقاً بات أخضر، وبعد أن كان خالياً من الزركشة باتت تتراكم على صدري أوسمة ذهبية، وبعد أن كنت أحمل سيفاً صرت أمسك بندقية، وبعد أن كنت أربط عمامة على رأسي صرت أعتمر قبعة!، ويتغير لباس ملكي من عباءة مذهبة وتاج، إلى بدلة سوداء وتحيط عنقه ربطة عنق حمراء، وتغيرت تبعاً لذلك صفته فأضحيت أنحني أمام حضرة الرئيس بدلاً من جلالة الملك، ومع ذلك لم يتغير دوري وأدائي.. مازلت أقسم بشرفي على نصرة الحق وأردي كل صوت يرتفع على المسرح، مهما كان، أرضاً وأنتصر!.

لا شيء يعكر صفو حياتي إلا تلك الخيوط التي تقيد يديّ ورجليّ، وتحركني رغماً عني كيف يشاء الرجل العجوز ذو القبعة الإفرنجية، الذي يحشرني في زمبيله، بعد أن ينتهي العرض ويجمع القطع النقدية، مع ملكي أو رئيسي أياً كانت صفته، وكل الدمى التي أرديتها قتيلة على المسرح، ويمضي بنا لنعيد الكرة في مكان آخر!​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى