غنائيات إبراهيم الحضراني.. سلاسة وعذوبة تتكئ على تقنية المثل الشعبي

​أحمد النظامي

معتقة كأنفاس الفجر، عذبة كتراتيل المطر، موشاة بطعم الغيم، ونقاء بير العزب، ذات مذاق منعش كفنجان شاي في باب اليمن، تلك هي القصائد المغناة للشاعر اليمني الكبير أ. إبراهيم أحمد الحضراني، أحد رموز وأقطاب الثقافة والإبداع في بلادنا، وما دام لن تتسع هذه التناولة في مقالنا هذا لاستيعاب سيرته الحافلة بالعطاء والممتدة بين عامي 1919م - 2007م؛ فليس بوسعنا سوى الإشارة إلى غنائياته الجميلة، لنسكر بعذوبة وسلاسة المفردة الغنائية والسبك الفني الجميل، المطرز بالبساطة، والمتكئ على تقنية المثل الشعبي والعبارات اليومية المتداولة.

والحضراني يعد من الشعراء المقلين في كتابة القصيدة الغنائية، إلا أن أغانيه اقتحمت كل المواجيد، وحظيت بزخم جماهيري عريض، وساهمت في صياغة الوجدان، لتظل بسملات في القلوب وتراتيل في الأفئدة، نظرا لبساطة التركيب وجمالية المعاني وعذوبة المضامين، وحملت فلسفة شاعر يعرف كيف يقتنص القصيدة، وكيف يكتب أغاني يرددها الناس في حلهم وترحالهم، تتقمص أوجاعهم وأفراحهم، وتترجم آمالهم وآلامهم؟

أغاني الحضراني حملت روحه الشاعرية المرحة، وثقافته الموسوعية المشبعة بالموروث والفلكلور، وبالتالي حين تستمع إليها مغناة بصوت أحد المطربين تدرك للوهلة الأولى أنها للحضراني، وتستشف فيها الطابع الخاص والنفس الصنعاني العذب، وتستنشق فيها ما يشبه المثل المستوحى.
وأنت تستمع إلى مثل هكذا ترانيم، تحس أن كل مقطوعة تشفطك من الأعماق، لتصفق بأصابع قلبك، حتى أنها تقنعك من الداخل، لتتفق مع الشاعر، رغم أنفك وبملء قلبك.

وبشكل عام تتميز قصائد الحضراني المغناة، بخلوها من الحشو الفارغ والغموض المنفر، وسهلة وسلسة دون هبوط، وبسيطة بكل كبرياء، ومختزلة لتجربة شاعر هو ثورة وضوء وشلال هادر، يعرف كيف يسكب ذبذبات روحه، لهذا رددتها وحفظتها كل الشرائح، وستظل راسخة كنقش أثري لا تمحوه تقلبات الأيام وجنون الغبار على مر الأجيال.

أسماء كبار الفنانين الذين تغنوا  بنصوص الحضراني
1 - الفنان الكبير أيوب طارش عبسي «لقاء الأحبة».
2 - الفنان الكبير فؤاد الكبسي «لا عتب»، و «ضاع الطريق».
3 - الفنان الكبير أحمد السنيدار «لقاء الحبيب».
4 - الفنان الكبير علي الأسدي «أحبابنا».
5 - الفنان الكبير محمد الحرازي «لا عتب».

وقد تناول هذه الأغاني بعد جيل الرواد، مجموعة كبيرة من الفنانين الشباب اليوم، في السير على خطاهم وألحانهم، توفق البعض فيما البعض الآخر أخفق في الحفاظ على روح الأغنية.
عموما تعالوا بنا لنفتش في عبق بعض هذه الأغاني البديعة، ولنأخذ أغنية «لا عتب» كنموذج.

قد لا تتمالك أنفاسك وأنت تستمع إلى واحدة من روائع الحضراني العاطفية «لا عتب»؛ حيث تغيبك النشوة لتردد معه:
لا عتب.. لا عتب
 قد هو مقدر لمن حب
أن ينال التعب.. وطول عمره معذب
في هذه القصيدة المفخخة بالجمال الباذخة بالسلاسة والروعة يرى الحضراني بفلسفته الخاصة أنه لا نجاة ولا مفر من عذابات الحب، باعتباره قدرا مكتوبا على كل المحبين.. ولإيصال هذه الفكرة يدعمها بما يشبه المثل: قد هو مقدر لمن حب.
ومفردات القصيدة منتزعة من قاموس الحياة اليومية، ومتداولة في الوسط الشعبوي وقريبة جدا من الزخم الجماهيري، تفنن شاعرنا في توظيفها بقالب شاعري جميل، وبث فيها الروح، ونفخ فيها الحياة وكأنك تسمعها للمرة الأولى:
«الحريق الحريق
قد مزق القلب تمزيق
وأنت جازع طريق
تلهو معاهم وتلعب»
أشبه بصفارة إنذار ترعش الوجدان؛ هذه الجمل القصيرة «الحريق.. الحريق».
شفافية في التصوير وسهولة في المفردات وعمق في المعنى مع زخات فنية.. استعارة مكنية، وكذلك التوكيد في كل مقاطع القصيدة.

وتتركز تقنية المثل الشعبي والعبارات المتداولة في قوله:
«جازع طريق» وهي تضرب في المرور العابر والعلاقة السطحية.. وقد استخدمها الشاعر الحضراني أيضا في قصيدة أخرى: «قد كنت شاحبكم جزعة طريق»، ونجدها في واحدة من قصائد الفضول نعمان: «ما ناش مقضي ساعتي عندك ولا جازع طريق». واستخدمها كذلك الشاعر أمين الحضراني بطريقة مفارقة ساخرة: «هنيت له من عشق جزعة طريق
لا به حريق دم ولا نهده وضيق».
وبالعودة إلى الشاعر إبراهيم الحضراني في قصيدة «لا عتب» نجد معظم مقاطعها لا تخلو من تضمين المثل والعبارة السائرة على ألسنة الناس، وبعض الأمثلة استوحاها الشاعر نفسه من عصير خبرته الحياتية العميقة ونظرته الثاقبة الحكيمة؛ وهي كالتالي:
«قد هو مقدر لمن حب»
«كل واحد له اشعب»
«الحبيب لا يلام»
«من كذب جرب»
«الكل قابض على ريح»
كل هذه الفلاشات الشعبية تم تطعيم القصيدة بها، وبهكذا استطاع الحضراني إيصال الصورة والفكرة للمتلقي بقناعة.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى