الحكم الذاتي.. من كتالونيا إلى جنوب اليمن

القاضي د. محمد جعفر قاسم

يتردد في هذه الأيام أن هناك اتجاهاً لمنح الجنوب حكماً ذاتياً، وبهذا الصدد أود أن أوضح سريعاً على أن الحكم الذاتي يوجد في مختلف أنظمة الدول، سواءً أكانت فيدرالية أم موحدة.

ويقوم الحكم الذاتي على أساس تفويض بعض السلطات التشريعية والتنفيذية إلى هيئات محلية للحكم الذاتي، وينبغي هنا التأكيد على أن الهيئات العليا للحكم، سواء كانت برلمانات أو رؤساء هذه الدول، تستطيع إلغاء هذا التفويض في أي وقت تراه مناسباً، وأحدث مثال أثار انتباهاً عالمياً على إلغاء مثل هذا التفويض هو إقدام الهند على إلغاء الحكم الذاتي لكشمير الذي كان الدستور الهندي ينص عليه.

وفي القارة الأوربية هناك مثال على الحكم الذاتي في المناطق التي طبق فيهما، ونقصد مثال كتالونيا في إسبانيا، والمملكة المتحدة، أي ما يعرف بـ (بريطانيا).
ففي الحقيقة منح الدستور الإسباني كتالونيا الحكم الذاتي إلا أن الحكومة الإسبانية قامت برفع الدعوى أمام المحكمة الدستورية الإسبانية لتأييد قرارتها ضد كتالونيا، وبالفعل فصلت المحكمة الدستورية لصالح الحكومة الإسبانية التي قامت بملاحقة رئيس البرلمان ورئيس حكومة كتالونيا بتهمة الخيانة العظمى.

أما في المملكة المتحدة فقد تم تطبيق الحكم الذاتي فيها في إقليمي إسكتلندا وإيرلندة الشمالية عن طريق نظام خاص يسمى بـ(Devolution of Powers)، وبموجب هذا النظام المستحدث في النظام الدستوري البريطاني منح هذان الإقليمان مقداراً واسعاً من الصلاحيات التشريعية والتنفيذية، ولكن في نفس الوقت نص هذا النظام على صلاحية البرلمان البريطاني بإلغاء هذه الصلاحيات التشريعية والتنفيذية.

ومما يميز التجربة البريطانية في الحكم الذاتي أنها لم تلجأ إلى إلغاء هذه الصلاحيات الممنوحة لإسكتلندا عندما وجدت مطالبة قوية بانفصالها، بل تم الانفاق السياسي والقانوني على إجراء استفتاء في إسكتلندة حول انفصالها عن المملكة المتحدة، وعند إجرائه فإن أغلبية من أدلوا بأصواتهم رفضوا انفصالها عن المملكة المتحدة.
أما إيرلندة الشمالية فقد شهدت، قبل تطبيق نظام (Devolution) عليها، أعمال عنف واسعة النطاق وحركة مسلحة قادها الجيش الجمهوري الإيرلندي انتهت بإبرام اتفاقية بين الجيش الجمهوري والحكومة البريطانية وبموجبها نعمت إيرلندة بالسلام وبهذا النظام.

ومن الجدير بالذكر أن نظام الـ(Devolution) يختلف عن نظام الـ(Federation) في أمر مهم جداً وهو صلاحيات الهيئات العليا بإلغاء هذا النظام، وهو الأمر الذي يميز الدول الموحدة عن الدول الفيدرالية لأنه في الدول الفيدرالية لا تستطيع السلطات الفيدرالية إلغاء الصلاحيات الإقليمية، بل تعليق تطبيقها إلى حين انتهاء الظروف التي أدت إلى هذا التعليق. ولهذا السبب فإن بريطانيا وإسبانيا تعدان دولتين موحدتين وليستا بدولتين فيدراليتين، كما يعتقد الكثيرون.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد تفرقة ذات أثر ملموس بين تسمية الوحدات الإقليمية للاتحاد الفيدرالي بالأقاليم أو الولايات، لأن مصدر تسميتها بإقليم أو ولاية يعود إلى ظروف نشأة تلك الوحدات، فإذا نشأت من دول متعددة، كما هي في حالة الكونفدرالية الأمريكية التي سبقت تكوين أمريكا الحالية، سميت بالولايات، وهكذا تمت تسميتها بالولايات المتحدة الأمريكية، أما إذا نشأت عن دولة موحدة كحالة كندا قبل إقامة النظام الفيدرالي فيها، فقد جرت تسميتها بالأقاليم.

ولا يفوتني في هذا الصدد أن أشير إلى مثال عن الحكم الذاتي من التاريخ الدستوري لعدن والجنوب. ففي عام 1961 انتهت المحادثات التي جرت بين وزراء عدن ووزراء اتحاد الجنوب العربي حول ضم عدن للاتحاد والترتيبات الإدارية التي ستطبق عند حدوث هذا الانضمام، وتم نشر نتيجة هذه المفاوضات في كتاب عرف بالكتاب الأزرق.

وفي عام 1962 صوّت مجلس عدن التشريعي على انضمامها لاتحاد الجنوب العربي، كما وافق البرلمان البريطاني على هذا الانضمام بموجب المعاهدة التي عقدت بين حكومة الاتحاد والمملكة المتحدة، التي سبق نشرها في (Command Paper) التي عرفت بالكتاب الأبيض، وهناك نص في منتهى الأهمية تضمنته المادة العاشرة من هذه المعاهدة يقضي بمنح عدن حق الانفصال عن الاتحاد خلال السنة السابعة لانضمامها إذا ما توافرت بعض الشروط التي عددتها تلك المادة.

وفي نفس العام 1962 صدر دستور عدن الذي قضى بمنحها حكماً ذاتياً لكونه نص على قيام المندوب السامي البريطاني بتعيين الشخص الذي يحصل على أغلبية أصوات أعضاء مجلس عدن التشريعي كبيراً لوزرائها، كما نص هذا الدستور على قيام مجلس الوزراء.
وفي عام 1963 صدر دستور اتحاد الجنوب العربي الذي أصبحت مدينة عدن إحدى ولاياته اعتباراً من 19 يناير 1963 ذكرى احتلال عدن في هذا اليوم من عام 1939م.

ومن الجدير بالذكر صدور أوامر في المجلس تقضي بتخويل المندوب السامي صلاحية التشريع والإدارة لجزر مستعمرة عدن وهي جزر ميون وكوريا موريا، وقد قامت بريطانيا في شهر استقلال الجنوب، أي نوفمبر 1967م بتسليم جزر كوريا موريا لسلطنة عمان على أساس أن سلطنة عمان في الأصل قد تنازلت عنها للحكومة البريطانية.
وهكذا فإن دستور عدن قد تضمنته الوثائق الدستورية الثلاث التي ذكرناها، أي اتفاقية انضمام عدن لاتحاد الجنوب لعام 1962، ودستور عدن لعام 1962، ودستور اتحاد الجنوب العربي لعام 1963، إضافة إلى الأوامر في المجلس الخاصة بكوريا موريا وميون.

وبموجب هذه الوثائق الدستورية الثلاث والأوامر في المجلس أصبح الوضع القانوني والدستوري لعدن شديد التعقيد كما يلي:
- ظلت مدينة عدن مستعمرة بريطانية.
- وفي نفس الوقت أصحبت ولاية من ولايات اتحاد الجنوب العربي.

- جرى تقسيم أراضي مستعمرة عدن إلى قسمين متميزين: القسم الأول، ويشتمل على: مدينة عدن التي شكلت الإقليم القاري للمستعمرة وأوكل أمر إدارتها لمجلس وزرائها والمجلس التشريعي مع احتفاظ التاج البريطاني والمندوب السامي بصلاحيات أعلى من صلاحيات مجلس وزراء عدن ومجلسها التشريعي. والقسم الثاني يتكون من: جزر ميون وكوريا موريا التي شكلت الإقليم البحري للمستعمرة وتولى أمر شؤونها التشريعية والتنفيذية المندوب السامي.

- منحت ولاية عدن حق الانفصال عن الاتحاد عند توافر بعض الشروط.
وقد سبق لي وأن تطرقت إلى المركز القانوني لعدن والتجربة البريطانية والإسبانية في الدراسة التي أعددتها عن حق الشعوب في تقرير المصير والانفصال واحترام مبدأ السلامة الإقليمية، أي وحدة أراضي الدولة.

وقد انتهت تجربة عدن في الحكم الذاتي في 26 سبتمبر 1965م.
ففي أثناء الكفاح المسلح تم اغتيال السير أرثر شارلس، المسؤول السري عن المخابرات البريطانية في عدن، حسب بيانات الجبهة القومية التي تولت عملية اغتياله، والذي كان يشغل في نفس الوقت منصب رئيس المجلس التشريعي في عدن.

وقد طلب المندوب السامي البريطاني من حكومة عدن إدانة هذا الاغتيال إلا أن حكومة عدن برئاسة كبير وزرائها المرحوم، عبدالقوي مكاوي، رفضت أن تدين اغتياله، الأمر الذي حدا بالتاج البريطاني إلى إلغاء دستور عدن وبالتالي إلغاء مجلسها التشريعي ومجلس وزرائها.
وهكذا فإن مدة الحكم الذاتي في عدن دامت حوالي ثلاثة أعوام فقط من عام 1962 - 1963 إلى عام 1965م.

وانتهت جميع هذه الهياكل الدستورية بتحقيق الاستقلال الوطني الناجز وقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية في 30 نوفمبر 1967 التي أصبحت تسمى اعتباراً من عام 1970 بجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية.

*عضو المحكمة العليا في عدن سابقا
وكيل وزارة العدل في صنعاء سابقا
مدينة كالجري - إقليم البرتا - كندا
سبتمبر 2019م

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى