ما أسفر عنه اتفاق جدة ليس أكثر من تفاهمات

منصور الصبيحي

ما تمخض عنه حوار جدة من اتفاق سياسي بين طرف الانتقالي وطرف الشرعية، والذي من أبرز نقاطه تشكيل حكومة مناصفة بين الطرفين، ما يعني أن يصبح المجلس الانتقالي يتحصل كممثل شرعي للجنوب على نصف الحقائب الوزارية، والنصف الآخر سيصب في خانة الشرعية، من تعتبر ممثلا عن الجميع شمالا وجنوبا، من حيث إنه سيكون في هذا التمثيل أطراف تنتمي إلى الجنوب أيضا وأطراف إلى الشمال، فما يحسب حول هذا هو أن الموضوع لا أكثر ولا أقل من مناصفة بين طرفين، الأول الشمال مقابل الجنوب.

وهذا يعيدنا سنين إلى الوراء وإلى نفس السلوك الذي ساد مؤتمر حوار صنعاء آنذاك، ومن بعد طول تجاذب تم انسحاب فريق مؤتمر شعب الجنوب ومن يمثله بواجهته الكلية المناضل محمد علي أحمد، ليتم بعد ذلك تدخل الدول الراعية للحوار ويشكل على إثر ذلك لجنة الثمانية زايد الثمانية.. أي ثمانية ممثلين للجنوب مقابل ثمانية ممثلين للشمال، لكي يكون الحوار أكثر جدية ويقترب للواقع، وللسبب هذا كأن أطراف صنعاء والشمال تحاول أن تنزع عن ذلك مبدأ الندية، لتلصق عليها مسمى لجنة الستة عشر، درءا لما قد ستؤول إليه الأوضاع جراء ذلك، ولتصدير الجنوب في وجه الشمال كحقيقة غير قابلة للإلغاء. وبعدها يستمر الحوار الجدلي حول الخارطة القادمة للوطن والتي حرص الطرف الجنوبي على التمسك بثوابت وطنية حولها والعمل على عدم التنازل عنها مطلقا، إلا بوضع إستراتيجية واضحة المعالم لما يرضي شعب الجنوب، أقلها دولة اتحادية بإقليمين شمالي وجنوبي، وما رافقها من مطالب شملت التعويضات في مجالات عدة أبرزها عودة المتقاعدين قسرا من العسكرين والمدنيين، الذين عرفوا (بخليك في البيت).

وهكذا بعد العقم الذي ساد أعمال هذه اللجنة المنبثقة عن المؤتمر، طيلة فترة انعقادها، ينسحب مرة أخرى ممثلو مؤتمر شعب الجنوب كليا من الحوار ليبقى فقط أربعة منهم مستمرين على ذلك النهج ليعلن الرئيس هادي بعدها عن اختتام أعمال المؤتمر وبعد فترة تخللها كثير من اللغط على مستوى الشارع الجنوبي جراء هذا العمل المنافي لقواعد وأدبيات الحوار، ولما رافقه من تبديلات أكثر من مرة على صعيد من يتصدر واجهة ورأس هرم التمثيل لأبناء الجنوب في المؤتمر.

وهكذا اختتم الحوار ولم ينجز شيء على صعيد قضية الجنوب، باعتبارها هي القضية المفصلية والرئيسية في أعمال المؤتمر.. ليبدأ فصل آخر من المتابعة وهو تشكيل لجان أخرى وبقرار رئاسي بمعزل عما أعلن من مقررات ومخرجات للحوار الوطني، وهي لجنتان، الأولى تعمل لدراسة وضع الأقاليم نسبة إلى العمل بدولة اتحادية غير معروفة المعالم فقط كإطار عام، ولجنة أخرى لوضع الدستور اليمني وفقا لمخرجات المؤتمر نفسه ولما ستأخذ به لجنة تحديد الأقاليم.

وعلى الأساس وبعد الفشل الذي مني به المؤتمر، يظهر إنتاج هذه اللجنتين إنتاجا ضعيفا لا يلبي طموحات الشعب اليمني كافة، ولا ويوفر الحد الأدنى من المعايير التي تراعي الالتزام بأدبيات الأطراف المتحاورة، بل ذهبت لتبني مشاريع جزافية تعمل على تعقيد الأمور أكثر من معالجتها، وهذا ما نتج عنه في الأخير من وضع نحن فيه الآن. وبعد تحديد الأقاليم الستة من قبل اللجنة وتسلم الرئيس لوثائق تحدد مسمياتها ومعالم توزعها. ما كان بالنسبة لشعب الجنوب الجميل فيها فقط الاعتراف بتقسيم الجنوب وتوزيعه على إقليمين من ضمن الأقاليم الستة لخارطة اليمن الاتحادي ليتم بعدها مباشرة دراسة ووضع دستور جزافي يتفق مع ذلك دستور لم يبلغ مبلغه ويختطف في ليلة زفافه مع صاحبه. وليكن ذاك تمهيدا لعهد جديد من الضياع والانهيار ولم يكن وليد الصدفة ولكنه جراء التراكمات وحالة الاحتقان السياسي الكبير، والذي مرت به البلاد خصوصا من بعد غزو قوات صالح في صيف 94م للجنوب، ولما عاشه الوطن من أزمات اتسمت بكثير من التعقيد نتج عنها سوء في إدارة الموارد وتركزها في أيدي طغمة باتت تجيرها لمصالحها الخاصة، مما أدى لمزيد من تدهور الحالة الاجتماعية والمعيشية للمواطن، وخصوصا في المناطق الجنوبية والتي أضحت تشكو الأمرين لما لحق بها من ويلات، باعتبارها الطرف الأضعف في المعادلة، من حيث وقوعها في خانة المهزوم عسكريا وسياسيا، هذا كان من وجهة نظر جبهة عريضة من أبناء الشمال بتأييد ومباركة النظام نفسه، ولما ترتب على ذلك الاحتقان من ثورة اندلعت شرارتها في 2007م معلنة تدشين عهد ثوري جديد لكل الجنوبيين بغية إخراجهم من مستنقع الشمال.

وهكذا ليبدأ دق ناقوس الخطر لدى طيف كبير من الطائفة السياسية في نطاق الشمال جراء التراكمات الخاطئة للنظام ومن يقف خلفه. وما هي إلا سنوات قليلة حتى تندلع ما سميت بثورة الشباب لتحاول بثقلها اجتياز حاجز ثورة الجنوب ومن ثم سحلها في طريقها، آملة من إلغاء كيانها ودورها الريادي مع صياغتها من جديد بما يتواءم مع توجهها.

لهذا وبعد حالة الارتباك التي عاشتها البلاد حتى بلوغ حوار جدة.. حوار أتى بعد فترة العزلة والتي عاشتها الشرعية وما تخللها أخيرا من صدامات بين قوتين جنوبيتين فاعلتين على الأرض.

ومن هذا المنطلق يمكننا القول وبعد قبول الجانبين المتمثلين بالشرعية والانتقالي للجلوس إلى طاولة حاور واحدة ليصبح السؤال المطروح والمرعب لكل مفكر يستشرق ويحمل هموم المستقبل انطلاقا من الماضي وليس عن طريق قشور الحاضر الماثلة على السطح، ومن أجل ذلك يعمل على تفحص إن كانت الأرضية صالحة لاستقامة أي مشروع وطني سيسفر عنه حوار جدة، لما لذلك من تساؤلات ملحة على النحو التالي:

مع من كان الاتفاق؟ وعلى أي أساس كان؟ وما مدى قبول الطرف الآخر بذلك؟
وبالتالي.. إن كانت كل الأطراف لا تمثل ولا ينظر لها سوى طرف واحد لا طرفين، أي بالمعنى الذي لا يعني عنده، ومن وجهة نظر أخرى سوى مجرد تفاهمات بين الطرف الجنوبي وحده، من حيث إن عمقه يمثل قضية واحدة من مجمل القضايا ليعمل سرا وعلانية على كيفية اختطاط طريق للخروج بسلام وبأقل الخسائر من وضع الشمال المتشعب. وبالمفهوم يصبح هذا الطرف الآخر غير الممثل في هذا الحوار إلا تمثيلا ضمنيا من حيث بقائه خارج الدائرة المباشرة، منتظرا ما سيهديه للجنوبيين من مقررات ومن نتائج ومدى قابليته للتطبيق على الأرض بما يعطيه مساحة كافية لتجهيز نفسه مع الاحتفاظ بحق الرد عسكريا وسياسيا لما قد تتبدل حوله طريقة الصمت من بعد التشكيك في ذلك لها. بالمعنى أن تظاهر بالقبول في بادي الأمر لكنه قد لا يعني السكوت بل ترحيل الطعن إلى موسم يكون فيه الحصاد بالنسبة له أقرب للنضوج أكثر من أي وقت مضى، بما يعني ترحيلا للأزمة وتخديرها لوقت معين وسيعمل على إيقاظ فتنتها من جديد.

وإن قدر لذلك أن يكون، فساعتها سيصبح التحشيد والتموضع العسكري بين الشمال والجنوب يعيدنا إلى المربع الأول وإلى ما قبل عام تسعين لعدم وجود إستراتيجية واضحة تضع حدا لتنهي هذا الصراع والنزيف المستمر لما قد يكون فشلا آخر للقواعد الجديدة للأمن والسلام من وجهة الطرف الجنوبي في جدة. وبها سيكون الإنسان في الشمال والجنوب هو الخاسر وراء كل هذا.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى