الأدب النسوي لم يطرح الأسئلة المطلوب طرحها.. ما هي؟!

مفيد نجم

النسوية العربية كتيار فكري رغم نضالاتها الهامة وتحقيقها لنجاحات كبيرة، على مستوى تحرير المرأة وما يتصل بذلك، فإنها في جوانب منها باتت تشبه التابو المنيع على النقد، لذا لم يتطور الحراك النسوي لا فكريا ولا أدبيا ولا اجتماعيا بالشكل الذي يخوله أن يقدم نجاحات أكبر.
لم تستطع الكتابة النسوية على الرغم من تأخر ظهورها عربيا عن مثيلاتها في الغرب أن تولد حركة أدبية نشطة تمتلك وعيا معرفيا كافيا ورؤية ناجزة بالهوية الأنثوية، يمكن من خلالها أن يتعزز حضور الكتابة النسوية بتياراتها وتوجهاتها المختلفة في الحياة الثقافية العربية.

ويعود هذا الضعف إلى أسباب ذاتية تخص الكاتبات النسويات والوعي النسوي بتمثيلاته وتمثلاته المختلفة، خاصة وأن البعض منهن ركز على جوانب محددة من هذا الوعي ظنا منهن أن ذلك يمثل جوهر الوعي النسوي وأهدافه.
 
مآزق النسويات
إن أدب الاحتجاج على ظلم المرأة وتعرية واقعها إضافة إلى كتابة الجسد لا تشكل القيمة الأصيلة في هذه الكتابة بمعزل عن الاشتباك مع ترسبات الوعي الأنثوي القاصر قبل الاشتباك مع الواقع الأبوي والحفر في طبقات المعنى الثاوية في هذا الجسد وإطلاقه على شكل علامات دالة تثري مسيرة الأدب النسوي وتعمق تحولاته الفكرية والجمالية.

تتمثل مشكلة الكاتبات النسويات في أنهن لم يطرحن على أنفسهن الأسئلة التي كان يجب أن تطرح منذ البدء، لأنها الأسئلة التي تؤسس لهذا الوعي وتبنيه كالسؤال عن الكيفية التي يتم بها بناء الهوية المؤنثة في هذه الكتابة، أو كيف تنتقل الكاتبة النسوية من مسألة الجنس في هذه الكتابة إلى الاشتباك مع سياسة التمييز الجنسي في الثقافة والمجتمع الأبويين، إضافة إلى السؤال عن اللغة ومفهوم الهوية في ظل الحاجة إلى تجديد الحوار حولهما لكي يكونا قادرين على تمثل الذات والوجود الأنثويين.

إن غياب الدور الفاعل للنقد النسوي وحواره مع النص النسوي قد انعكس سلبا وكان من نتائجه ضبابية الرؤية عند كثير من هؤلاء النسويات، خاصة أن هذا النقد في غالبيته هو ترجيع صدى للنظريات النقدية النسوية في الغرب وأكثر انشغالا بالجانب النظري على حساب النقد التطبيقي. لذلك لم يستطع حتى الآن أن يشكل تيارا فاعلا ومؤثرا في الحركة النقدية العربية، إلى جانب عجزه عن تكوين رؤية نقدية قادرة على تفكيك بنية هذا النص وشبكة علاقاته الداخلية والخارجية والكشف عن طبيعة المنظور المهيمن في هذه الكتابة وكيفية التمثيل المؤنث فيه، وهذه كلها قضايا تتصل اتصالا مباشرا وبنيوي مع وعي المؤنث بهويته في هذه الكتابة وما يمكن أن يعبر عنه على شكل رمزيات وعلامات وخيال مؤنث.

هناك مظهران تكاد تشترك فيهما أغلب النصوص الروائية النسوية؛ المظهر الأول يتجلى في تنميط صورة الرجل في هذه الرواية، وهو تنميط يشابه إلى حد كبير تنميط صورة المرأة في الرواية التي يكتبها الكاتب الرجل، الأمر الذي يجعل الكاتبة النسوية تتبادل الأدوار مع الكاتب الرجل في هذا المستوى من الوعي والموقف. من النادر أن نعثر على صورة إيجابية للرجل في أغلب هذه الروايات، على خلاف ما يمكن أن نجده في الواقع. وإذا كانت ثمة مشكلة في وعي الرجل على مستوى هذه العلاقة مع المرأة فإن المرأة ليست في منأى عنها.

أما المظهر الآخر فنجده في هيمنة شخصية السارد المؤنث في هذه الرواية، ولا يخفى على القارئ أن هذا المظهر يتصل بقضية حضور السيري في هذه الرواية بشكل كبير. لقد حاول الرجل أن يجعل من المرأة بطلة في روايته وهناك أمثلة عديدة على ذلك، لكن الكاتبة النسوية لم تحاول أن تقارب هذه الشخصية وتعمل على استبطان شخصيتها وما يدور في داخلها من صراعات، أو تعاني من إخفاقات قد تكون المرأة هي أحد أسبابها.

إن هذه القضية تعيدنا إلى مسألة الثنائية الضدية في العلاقة بين الرجل والمرأة، وهي ثنائية تحتاج إلى تحرير الرجل والمرأة من ترسباتها في الوعي واللاوعي الذاتي. إن إعادة تبادل الأدوار في هذه العلاقة بين المرأة والرجل تعيدنا إلى إنتاج صورة النمط غير القابل للتغيير ما يعني الانتقال من التعددية إلى الواحدية ممثلا في هذا النمط الذي تصر بعض النسويات على تفعيل حضوره.
 
اللغة الأبوية
أما على مستوى لغة الكتابة السردية وعلاقتها بالأجناس الأدبية الشائعة فلا أعتقد أن كثيرا من الكاتبات النسويات حاولن التنبه إلى مسألة إعادة التأمل في شكل الكتابة، وفي العلاقة مع اللغة التي مازال الموقف منها يستقطب الكثير من الجدل حوله. إن اللغة بوصفها بنية رمزية تتصل بالبنية الاجتماعية والثقافية السائدة تمثل وسيلة لسيطرة المجتمع الأبوية على المرأة. فاللغة التي يعد التذكير هو القاعدة الأساس فيها تحتاج المرأة الكاتبة حتى توجد لها مكانا داخلها إلى توسيع حدودها وكسر بعض قواعدها حتى تستطيع استيعاب هذا الحضور الفاعل فيها.

على اللغويات النسويات أن يقتحمن مراكز اللغة ومجمعاتها لكي يشاركن في صنع هذه اللغة وتطويرها بما يتناسب مع حاجة المرأة للتعبير عن ذاتها وعن وجودها. لذلك يبقى العمل النسوي عند هؤلاء الكاتبات ناقصا ما لم يحاولن فرض وجودهن داخل هذه المراكز بعد أن أصبحت الكاتبة النسوية جزءا أصيلا من التجربة الأدبية، وما كان سائدا ومقبولا قبل هذا التحول لا يصح أن يبقى كما كان سابقا.

إن ضعف الحركة الأدبية النسوية وتشتتها يعودان إلى عوامل عدة منها غياب الحوار بين تياراتها المختلفة وعدم تبادل الخبرات والتجارب بالصورة التي تؤدي إلى تطوير أشكال الكتابة المؤنثة وبناء تمثيل إيجابي للمرأة في هذه الكتابة إضافة إلى غياب فاعلية ما يكتب من نقد نسوي. إن تجربة الكاتبة النسوية العربية وما تتمتع به من خصوصية تجعل مهماتها أكثر تعقيدا من مثيلاتها في المجتمعات الغربية، نظرا للتداخل الكبير بين قضايا تحرر المرأة وقضايا التحرر الأخرى في المجتمعات العربية التي مازالت تبحث عن أفق للنهوض بواقعها الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي.

لكن هذا الواقع لا يمنع أن تعمل الكاتبة على تطوير أشكال وعيها بهويتها الأنثوية وجعل الخيال واللغة وسيلتها لتحقيق وحدتها وتحريرها من كل ما يقيد حريتها. لذلك لا تكفي جرأة الكاتبة في مقاربة المسكوت عنه واستدعاء الهامش لتحقيق هذه الأهداف إذ لا بد من تطوير أشكال الخيال والكتابة عندها، وتعميق وعيها الفكري والأدبي بالشكل الذي يحول هذه الكتابة إلى مصدر للقوة والتحرر من النظام الرمزي السائد للغة والكتابة.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى