حوار الرياض مع الحوثيين.. من الرابح؟

عبدالعالم بجاش

لماذا هرول الحوثيون إلى عقد لقاءات سرية مع السعودية في العاصمة العمانية مسقط؟ السؤال يقودنا إلى حقيقة مفادها أن جماعة الحوثي باتت تخشى من إمكانية أي توافق بين كافة القوى اليمنية، واستئناف المعارك من جانب قوات الحكومة والتحالف العربي ضدها، في ظل انحسار الهجمات الصاروخية باتجاه السعودية.
مؤشرات عديدة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن الجماعة باتت أضعف مما تبدو عليه، وأن مخاوف الحوثيين ومن ورائهم إيران، باتت أكبر من مخاوف السعودية.

فالهجمات اليومية لجماعة الحوثيين في أكثر من جبهة باتت روتينية، ليس من حيث عدم تحقيقها أي تقدم وحسب، وإنما أيضاً لكونها باتت تكتيكاً هدفه الهجوم لاتقاء الهجوم المعاكس، وبناء حاجز نفسي لدى الطرف الآخر، ما يكفي لتثبيط عزيمة الجيش الوطني والقوات الأخرى المناهضة للحوثيين عن التخطيط لأية عمليات عسكرية.
ويبدو أن السعودية لم تستشعر مخاوف جماعة الحوثي من نجاح تطبيق اتفاق الرياض، ونجاح توحيد كافة القوى اليمنية على مبدأ واحد محدد، وهو القضاء على جماعة الحوثي وإنهاء نفوذ وذراع إيران في اليمن إلى الأبد، بقدر استجابتها للضغوط الأمريكية والبريطانية باتجاه إبرام اتفاق مع الحوثيين.

مع العلم أن كافة الأطراف المتمثلة بالحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المشتركة وألوية العمالقة والأحزاب السياسية، تسعى إلى توحيد كل قواها ضد الحوثيين.
وهو ما يشكل أكبر مصدر للقلق لدى جماعة الحوثيين، في الوقت الراهن أيضاً، إضافة إلى متغير جديد في المنطقة على وقع الغليان الشعبي في لبنان والعراق ضد النفوذ الإيراني، بعد أن استغلت الصراعات والمواجهات الداخلية بين القوى والأطراف المناهضة خلال الفترة الماضية.

خشية جماعة الحوثي من أي ضغط عسكري من قبل القوات المشتركة تحت قيادة حكومية، وفق اتفاق الرياض، لخوض مرحلة حاسمة معها، تدفع الجماعة إلى المراوغة، مستفيدين من السياسة البريطانية التي تسعى لإحياء حلف قديم بين السعودية والنظام الملكي الإمامي قبل ثورة الـ26 من سبتمبر عام 1962.

ماذا يريد الحوثيون؟
خسائر الحوثيين تتعاظم بصورة مستمرة، لقاء مكاسب محدودة تتمثل في إبقاء الحاجز النفسي قائماً كسياسة حمائية ضمن تكتيك الحرب النفسية، إلى جانب الألغام التي يزرعونها في كل الجبهات والمناطق التي يتواجدون فيها.

ما يحدث في اليمن حالياً من جانب الحوثيين، إقامة ما يشبه "خط بارليف"، وهو سلسلة من التحصينات الدفاعية بنيت من قبل إسرائيل بعد احتلالها لسيناء، عقب حرب 1967م، وكانت تمتد على طول الساحل الشرقي لقناة السويس، وكان الهدف منها هو تأمين الضفة الشرقية، ومنع عبور أية قوات مصرية إليها، بعد أن اكتشفوا في حرب 1973، أنه خط وهمي، وأمكنهم اجتياحه بسهولة، وباستخدام خراطيم المياه لإزالة الساتر الترابي.

ومبعث الشك في صمود أي تحالف جديد بين السعودية اليوم والإماميين الجدد في اليمن، هو الدرس المستقى من التاريخ نفسه، فقد احتضنت السعودية فلول الإماميين، وعلى رأسهم أسرة الإمام أحمد حميد الدين وأبنائه وذويه، بعد سقوط نظامهم في اليمن، عام 1962م، ومنحتهم امتيازات، وبعد 70 عاماً جلب الإماميون إلى حدود المملكة الجنوبية أبشع عدو متربص بالمنطقة، وهي إيران.

كما يبرز طموح بريطاني لبعث الماضي، الذي يتناقض مع إرادة غالبية الشعب اليمني الذي يرفض رفضاً قاطعاً عودة الإمامة في الشمال أو الاستعمار في الجنوب.

وهو النظام الذي أطاحت به الثورة، وأقامت على أنقاضه الجمهورية العربية اليمنية في شمال اليمن، وتلته بعد عام ثورة الـ14 من أكتوبر 1963م، التي أطاحت بالاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، إذ نجد السفير البريطاني هو أبرز المروجين لإحياء الحلف القديم بين السعودية والإمامة التي يمثل الحوثيون امتداداً لها في اليمن. لكن يبدو أن الدفع الدولي بالسعودية لإبرام اتفاق مع الحوثيين، خطوة آنية لا تمتلك مقومات البقاء والصمود.

فكيف يمكن للسعودية أن تثق مجدداً بالإماميين، وتخوض معهم ذات التجربة؟ فيما تؤكد الشواهد التاريخية أنهم لا يتغيرون أبداً، وأن ولاءهم لإيران، وارتباطهم بها يفوق تصورات واشنطن ولندن اللتين تدفعان بالرياض لتقبل الحوثيين، وعقد سلام معهم.

متغيرات محلية وإقليمية
وتسود في عموم اليمن، هواجس مقلقة مما يدور في الكواليس بين السعودية والحوثيين، في مسقط. ويبرز التساؤل: ما إذا كانت الرياض ستضحي بشركائها من أجل صفقة غير مضمونة لإبعاد جماعة الحوثيين عن حدودها، في إطار ما يسمى منطقة عازلة، ووقف إطلاق الصواريخ، مقابل إطلاق يد الحوثيين في اليمن، والسماح لهم بإقامة نظامهم العائلي الخاص، وبعث الإمامة من مرقدها؟

وتعد الهجمات على "أرامكو" السعودية، وتهديد حدها الجنوبي بالصواريخ الباليستية، من أبرز مخاوف السعودية، ولكن ثمة تبدل للمخاوف بعد اتفاق الرياض، إذ بات توحيد القوى اليمنية المناهضة لإيران وذراعها الحوثية، مشكلة تؤرق الحوثيين، وتهدد بالقضاء عليهم، وبالتالي القضاء على المشروع الإيراني في الخليج، إذ بات فقدان إيران نفوذها في اليمن بالكامل، خطراً يحد من طموحاتها أكثر من فقدان نفوذها في أي بلد آخر لا يطل على واحد من أهم المضائق المائية.

إن أي استئناف للمعارك في اليمن ضد جماعة الحوثيين في الأجواء الراهنة، واعدة بتغيير المشهد جذرياً، خاصة وأن أكثر من طرف أبدى عزماً لجعل الميدان هو ساحة اختبار لإثبات العزيمة الجديدة في دحر الحوثيين، ما بعد اتفاق الرياض، وتوجيه بوصلة المعارك نحو تحرير صنعاء، كما قال عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، مما يعني أن إحراز انتصارات ضد الحوثيين سيكون مجال التنافس القادم.

إن إمكانية تجاوز كافة القوى اليمنية المتشاكسة لخلافاتها، وانصهارها في كتلة واحدة، سيكون تحولاً تاريخياً، ويمكن له فعلياً أن يضع حداً لانقلاب الحوثيين، ويكتب نهاية الانقلاب.
وهذا ما يقض مضجع الحوثيين حالياً، الذين لم يستطيعوا تحقيق أي اختراق في الضالع أو الحديدة أو أية جبهة، رغم حشودهم وهجماتهم التي لا تتوقف مع تضعضع في جبهات الحكومة، وبلوغ النزاعات أوجها بينها وبين القوى الأخرى، مثل المجلس الانتقالي.

وبالنظر إلى معارك الشهور الماضية، بخاصة منذ اتفاق ستوكهولم، في ديسمبر 2018، تم تقييد حركة الجيش الوطني والقوات المشتركة، وتجميد المعارك على طرف الحكومة. فيما ترك المجال لجماعة الحوثيين للتصعيد العسكري كيفما تشاء، مع ذلك لم تحرز تقدماً له قيمة فعلية تتجاوز الغرض الدعائي المحدود.
في صراع الإرادات هذا، يمكن لقليل من الصبر أن يعود على السعودية واليمن والمنطقة، بمكسب أكبر ونتيجة أفضل إذا ما ركزت على اتفاق الرياض لتوحيد القوى اليمنية المناهضة للنفوذ الإيراني، أفضل من اتفاق هش مع جماعة ولاؤها عميق لطهران، لم يسجل تاريخها كله أي التزام لها بأي اتفاق وقعت عليه، في أي وقت.

"المشاهد"

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى