ما بعد سقوط الجوف.. مشهد استلام وتسليم يتكرر بين الإصلاح والحوثي

كتب: المراقب السياسي

الشرعية والحوثيون يؤمنون بالقوة العسكرية لإخضاع الجنوب كعام 94

ما حصل في محافظة الجوف خلال الثلاث الأيام الماضية من اجتياح حوثي للمحافظة لم يكن أمراً مفاجئاً؛ وإنما المستغرب أنه لم يحدث قبل سنة من الآن.
والمتابعة لمجريات المعارك في اليمن الشمالي تكشف نمطاً عسكرياً يتكرر؛ حيث بدأ في تعز واستمر في الحديدة والبيضاء وأطراف مأرب وأخيراً في الجوف.. هجوم حوثي يتبعه تعاون من قوات الشرعية (الجيش اليمني الوطني)، ثم سيطرة كاملة من قوات الحوثي.

في تعز كان الاستلام والتسليم بين القوات الهجومية لحزب الإصلاح والحوثيين يتم على المكشوف حتى العام 2017م عندما بدأت شوكة المجلس الانتقالي الجنوبي في التقوية، فبدأ بالمقابل التنسيق بين القوتين الكبراتين في الشمال، والهدف للقوتين هو الجنوب.

جيش الشرعية (الجيش اليمني الوطني)، الذي تدفع المملكة العربية السعودية رواتب حوالي 462 ألف جندي فيه، معظمهم متواجد في كشوفات وهمية، في مأرب ولكن مراراً وتكراراً لم يستطع بتلك المئات من الآلاف صد هجوم الحوثيين على صرواح أو نهم أو الجوف مؤخراً.

وانصرف ذات الجيش إلى تركيز المعركة جنوباً؛ حيث انطلق وتحرك بمنتهى السرعة ليصل شبوة وأبين خلال أسابيع على بعد 600 كيلومتر جنوباً، بينما لم يتقدم 10 كيلومترات غرباً باتجاه صنعاء طوال خمس سنوات، فالسيناريوهات المتوقعة للحرب الآن كالآتي:

أولاً: سيقوم الحوثيون بالاستيلاء على مأرب، ويُعد هذا السيناريو هو المحسوم سلفاً، وتشير كل الدلائل على سحب الأسلحة والأموال من مأرب خلال الـ 72 ساعة الماضية كدليل على انعدام الثقة لدى الجيش الوطني بإمكانية حماية مأرب من أي اجتياح حوثي، وسيتسلم الحوثيون مأرب التي صرفت عليها السعودية أموال التهريب الشيء الكثير من بنى تحتية وشوارع وأبنية وإعمار طوال الست السنوات الماضية.

ثانياً: ستعلن موجة نزوح بقايا الشرعية إلى شبوة وحضرموت، وهو أمر حاصل بالفعل، وسينضم مئات الآلاف لموجة النزوح هذه تحت ذريعة الخوف من بطش وانتقام الحوثيين.

ثالثاً: ستحاول بقايا النظام الحاكم تكوين كيان آخر مشابهة لمأرب في شبوة وحضرموت، وهنا ستشتعل الحرب القادمة، لن تستطيع بقايا النظام العمل بحرية في الجنوب بدون محاولة كسر الجنوبيين عسكرياً، وهذا أمر صعب جداً، فالجيش الوطني لا يحمل عقيدة وطنية؛ وإنما منفعية خالصة، ولن يستطيع الصمود في معركة شوارع على طول الجنوب وعرضه.

رابعاً: ستصبح منشآت النفط السعودية أكثر قرباً وفي مرمى القوة الصاروخية الحوثية؛ حيث سيتم نقل تلك الصواريخ إلى مقربة من الحدود اليمنية - السعودية كمنصات إطلاق أكثر قرباً من الأهداف التي يصرحون دوماً باستهدافهم لها.
يجب الإقرار بأن الحل السياسي قد فشل تماماً سواءً عبر اتفاق ستوكهولم أو اتفاق الرياض، ليس لعدم رغبة الجنوبيين بتنفيذ الاتفاق فقد نفذوا أجزاء كبيرة من المصفوفة المتفق عليها في الرياض؛ ولكن لأن الأطراف الأخرى من الشرعية أو الحوثيين لا تؤمن بالحل السياسي؛ بل بالإخضاع للقوة العسكرية كما تم في 1994 ضد الجنوب.

والفشل السياسي أيضاً ينعكس على المملكة في إدارة ملف الحرب عسكرياً وسياسياً، فلا الضربات الجوية حققت أهدافها، ولم تكن المملكة أيضاً قادرة على إرغام الأطراف على تنفيذ اتفاق الرياض الذي أبرم في عاصمتها؛ بل إن المناطق الجنوبية التي تسلمتها المملكة بعد انسحاب الإمارات تدهورت بشكل ملحوظ لغياب الرؤية وعدم الاهتمام الكافي بطبيعة الجنوب لدى قيادات المملكة على الأرض.

كل أموال المملكة تذهب إلى رواتب الشرعية وجيشها الذي يتقهقر يوماً بعد يوم تاركاً المساحات الشاسعة للحوثيين ليتمددوا فيها، بينما رواتب المقاتلين الجنوبيين في جبهات الضالع وحيفان وشبوة قد انقطعت منذ أربعة أشهر، أي أن القيادة العسكرية السعودية تريد على ما يبدو انهيار جبهات الجنوب التي تواجه الحوثيين بشراسة منذ خمس سنوات، ومنعت تقدمهم حتى الآن، وذلك لاتفاق سري مع الحوثيين لوقف الحرب، لكن نتيجة هذا الاتفاق سيكون تهديد سلام المنطقة والعالم على المدى الطويل بسيطرة الحوثيين على أخمر ممر ملاحة دولي، وهو باب المندب.

ونفس الفوضى في الإدارة أيضاً أصابت القطاعات المدنية، فلا المستشفيات حصلت على الأدوية، ولا توجد أموال لشراء وقود محطات الطاقة، وكلها أمور كانت تسير بانتظام عندما كانت الإمارات متواجدة في عدن والمناطق التي تسلمتها السعودية في سبتمبر العام الماضي.

إن الوضع مخيف، فلا الجنوبيون قادرين على إعلان دولة من طرف واحد بسبب مقاومة الإقليم للفكرة، ولا هم قادرين على التحكم بمواردهم بسبب مقاومة الإقليم أيضاً للأمر، ولن يحتمل الوضع الاستمرار بنفس الطريقة، ومن المستغرب أن الأقليم لم يفهم بعد العدو من الصديق بعد ست سنوات حرب.

ما يجري اليوم هدفه إغراق السعودية والسعودية فقط في مستنقع يتم إفلاسها من خلاله والحل بيد السعودية أيضاً، فمن تسلموا الأموال ولم يحققوا شيئاً موجودون لديها ولا حاجة لتدليلهم بعد أن فقدت الشرعية شرعيتها على الأرض تماماً.

ما الذي يمنع جيش الشرعية "الوطني" في المهرة وحضرموت وشبوة من الانقلاب إلى صف الحوثيين أو تسليم المواقع كالعادة لهم؟
فالنظر إلى كل ما سبق في الجوف ومأرب وتعز والبيضاء كاتفاق بين قوات حزب الإصلاح والحوثيين يفسر الكثير مما يحدث، فلم ينسَ أحد أن قيادات الإصلاح كانت سباقة في الاتفاق مع الحوثيين وإعلان الولاء لهم في العام 2014م قبل هروبهم إلى الرياض.

لكن أخطر سيناريوهات المستقبل هو انقلاب جيوش وجحافل من نازحي الشرعية داخل أراضي الجنوب لنجدهم فجأة وهم يصدحون بالصرخة الحوثية بعد أن سيطروا على كل شيء.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى