الأكمه والبارة "قصة قصيرة"

سالم فرتوت

هل يفقأ الآن عينيه لعله يستعيد جمالها الذي غاب عنه؟ فقد بدت له في غاية القبح، بعد أن أبصر. .وكانت خلال عشر سنين من زواجهما بهجة روحه! أنى لا وهي التي ارتضته زوجا فكانت عيناه وسنده؟! كانت تقوم الليل تصلي من أجله. وسمعها مرة وهي تدعو الله قائلة: (إلهي خذ عيني واعطهما زوجي).
كانت اسمها ينطبق تمام الانطباق على مسماه. لطالما صلت من أجل أن يبرأ الله عينيه. غير عابئة بنفوره منها فيما لو أبصر.

أو يطلقها الآن؟! لقد تحملت أعباءه طيلة عشر سنين. لم تتذمر يوماً منه، وكان يقول لنفسه إيه ما أجملها)! ويتمني أن يبصر ليرى هذا الإنسان التي تصدى لمعاناته جراء العماء. إيه ما أجملك يا صالحة! وقالت له مرة: "أخشى لو أبصرت أن لا تطيقني"!.
(عساني لا أبصر إن كان جمالك سيغيب عني!).

ترقرقت دمعتان في مقلتيها، فتمالكت نفسها حتى لا تشهج بالبكاء قريباً منه.
غادرت إلى الغرفة الأخرى حيث تصلي، وتوجهت إلى الله والدموع تتعرج على وجهها تسأله (إلهي أفتح عيني زوجي! إلهي نذر علي أن أصوم يوم وأفطر يوم طيلة عمري وأتصدق بذهبي لراحة محتاج، وأزكي ربي، يا مجيب دعوة الداعي، أعلم بأنك استجبت لي.

وفجأة أحست ببهجة وطمأنينة
ولم يعد عماء زوجها يحزنها
إيه كم أنت كبير يا إلهي! كيف تحيل الهم غبطة بمجرد التوجه إليك.
أترى الصالحة، دون أن تدري على وعد بمعجزة تنتظرها. من يدري.

عادت إلى زوجها.. تناهى إليه وقع موسيقى خطواتها التي يستطيع أن يميزها من بين وقع خطى آخرين.
قبل أن تستلقي إلى جواره. قبلت عينيه.. لكنه لأمر ما كان يبكي ما بك يا سيدي؟ أو أنت حزين لفرحي؟! الليلة أنا فرحة.

بل حزين لأني لا أستحقك!.
أنت عندي بكل رجال الدنيا
واجهش باكياً.
أضاءت مصباح الغرفة.. رأت قطرات دم على جبينه (حبيبي ما أصابك؟ آه أنا السبب).

(ليتني مت قبل هذا.. ليتني مت قبل أشكك في عفتك لقد تتبعتك حتى الغرفة الأخرى واصطدم جبيني بالباب وأنا أتلمس طريقي في ظلمتي فقد ظننتك تخونيني. وإذا بك تصلين من أجل أن تعمي أنت وأبصر أنا. آه يا إلهي ليتني مت قبل أن أشك في هذه البارة).
ورفعت الصالحة رأسه إلى حجرها احتضنته كما تفعل أم مع فلذة كبدها.. هدهدته وهو يبكي كمذنب تائب. ويقول: (انتقم مني يا رب!) ضحكت الصالحة، وقالت: (سامحه يا رب).

وقرصته ممازحة بلطف. فقد كانت فرحة تلك الليلة بعد دعاء متهدج. ولم يضحك، فراحت تدغدغه وجعل يتململ ويتمايل في حجرها وضحكه يغلب البكاء. يا لها من مخلوقة رائعة هذه المرأة الريفية التي جاءوه بها من قرية (م)! أية امرأة تقدر أن تتحمل أعباء أعمى طيلة عمرها! أية امرأة ترضى أن تكون عكازاً يستند إليه شخص في كل صغيرة وكبيرة وتجد في ذلك راحة؟.

تطلع إلى مصدر صوتها وتبادلا القبل، ثم. ناما.
وأصبح الرجل الثلاثيني بعينين سليمتين، وحدث هو عما جرى له في المنام قال: (أحسست بيد تربت على عيني بحنان وسمعت صوتاً يهمس في سمعي: (لقد استجاب الله لدعوات زوجتك قم لتراها). آه يا ليتني لم أفقد بصيرتي! فها هي أمام ناظريه، دميمة منفرة!.

وكم كان يود ألا تفارق أنامله الذهبية!
 فكلما نظر إليها يتلاشى كنز روحه! أو يوجه إصبعي بصيرته إلى عينيه لعل وعسى أن يستعيد جمال الصالحة -كما كان يدعوها- إنه على قدر من الوسامة بما يجعله مقبولاً لدى كثير من الفتيات الجميلات.
لكنهن لن يعوضنه عن جمال صالحة الذي كان يحسه بأنامل الروح. آه ألا تباً لنظر لا ينفذ إلى جوهرنا.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى