الوبَاء

علي الجارم

 انتشر وباء الهيضة المعوية (الكوليرا) برشيد سنة ١٨٩٥م، وحصد الأرواح، فراع الشاعر الصغير ما رأى، وأثار عاطفته الشعرية، فقال هذه القصيدة:
أَيُّ هَذَا (المِكْرُوبُ) مَهْلًا قَليلًا
قَدْ تَجَاوَزْتَ في سُراكَ السبِيلَا!
لَسْتَ كَالْوَاوِ، أنتَ كَالْمِنْجَلِ الْحَصَّا
دِ، إنْ أحْسَنُوا لَكَ التمْثِيلَا
ما غَلَبْتَ النفُوسَ باِلْعَزْمِ لَكِنْ
هَكَذَا يغْلِبُ الْكَثِيرُ الْقَلِيلَا
أنْتَ في الْهِنْدِ في مَكَانٍ خَصِيبٍ
فَلِمَاذَا رَضِيتَ هذا الْمُحُولَا؟
أَنْتَ كَالشيْبِ إن دَهِمْتَ ابْنَ أُنْثَى
لم تُزَايِلْ جَنْبَيْهِ حَتَّى يَزُولَا
حارَ «بنشنج» فِيكَ يَا ابْنَ شَعُوبٍ
ونَقَضْتَ الْمُجَرَّبَ الْمَعْقُولَا
عَقَدَ الأمْرَ فابْتَكَرْتَ لَهُ الْحَلـ
ـلَ، وما كانَ عَقْدُهُ مَحْلُولَا
قَامَ يَغْزُوكَ بَيْنَ جَيْشِ الْقَوَا
رِيرِ فَوَلَّى بِجَيْشِهِ مَخْذُولا
وَتَرَكْتَ الْحُمُوضَ تَجْرَعُها الْأَرْ
ضُ، وجَرَّعْتَنَا الْعَذَابَ الْوَبِيلَا
(وبموشَى) أرَادَ حَصْرَكَ بِالْجُنـ
ـدِ، وَهَلْ تَحْصُرُ الْجُنُودُ السيُولَا؟
يَا ثَقِيلَ الظِّلال آذَيْتَ بِالْمَا
لِ وَبالنَّفْسِ فَالرحِيلَ الرَحيلَا
مَنْ يبِتْ عِنْدَهُ الْهِزَبْرُ نَزِيلًا
كانَ مِنْ قَبْلِ زادِهِ مَأْكُولَا!
رُبَّ طفلٍ تركتَ مِنْ غَيْرِ ثَدْيٍ
يَضْرِبُ الأَرْضَ ضَجَّةً وعَوِيلَا!
وَفَتاةٍ طَرَقْتَها لَيْلة العُرْ
سِ وَقَبْلَ الْحَلِيلِ كُنْتَ الْحَلِيلَا
كَحَّلُوا جَفْنَها فَكَحَّلْتَ فِيها
كُلَّ جَفْنٍ أَسًى وَسُهْدًا طَوِيلَا
خضَّبَتْها يَدُ الْمَوَاشِطِ صُبْحًا
فَمَحاهُ الْمُطَهِّرُونَ أَصِيلَا
ما رَحمتَ الْعُيُونَ تِلْكَ اللَّوَاتِي
تَرَكَتْ كلَّ عاشِقٍ مَذْهُولا
لَوْ رَآها جِبْرِيلُ أسْتَغْفِرُ اللهَ
لأَلْهَتْ عَنْ وَحْيِهِ جِبْرِيلَا
يَا قَتِيلَ (الْفِينيكِ) يَكْفِيكَ قَتْلا
كَ فَأَغْمِدْ حُسامَكَ الْمَسْلُولا!
إنَّ في مِصْرَ غَيْرَ مَوْتِكَ مَوْتًا
تَرَكَ الْأَرْوَعَ الْأَعَزَّ ذَلِيلَا
فَارْتَحِل بَارِدَ الْفُؤَادِ قَريرًا
مرْوِيًا مِنْ دَمِ الْعِبَادِ الْغَلِيلَا.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى