البث التدفقي نعمة أو نقمة للمسارح؟

باريس «الأيام» أ ف ب

في زمن الكورونا أعطت المسارح للجمهور بشكل غير مسبوق إمكان متابعة إنتاجاتهم بفضل البث التدفقي أملة بأن تكون مجرد محطة عابرة... إلا أن الأمر قد يطول.

بدأت القاعات في فرنسا وفي دول أوروبية أخرى ترى نهاية النفق مع مواعيد لإعادة فتح أبوابها إلا أنها تواجه تحديا كبيرا لاستقطاب المتفرجين مع احترام التباعد الاجتماعي.

وقد أغدقت هذه القاعات على الجمهور الجالس في المنزل على مدى أشهر بعروض أوبرا وباليه وحفلات موسيقية ومسرحيات في غالبيتها مجانا. فهل يعود الجمهور إلى القاعات بعدد أقل من الحضور ويقف في طوابير طويلة ويضع كمامة؟

والأسبوع الماضي أعطت قاعة "لا فيلارموني دو باري" لمحة على ما ستكون عليه الحفلات على المدى المتوسط مع تسجيل حفلة وعرضها عبر البث التدفقي. وقد شوهدت الحفلة 320 ألف مرة وهو "عدد استثنائي لحفلة كلاسيكية عبر الانترنت" على ما قالت المؤسسة.

وتسجيل الحفلات الموسيقية المباشرة وعرضها عبر الانترنت ليس بجديد لكن عددها وسهولة الوصول إليها في غضون شهرين، هما غير مسبوقين.

"ملايين يشاهدون"

وقد شاهد أكثر من 2,5 مليون شخص عبر الانترنت 10 إنتاجات من دار اوبرا باريس فيما عرض مسرح "لا كوميدي فرانسيز" أكثر من 80 مسرحية من بينها أرشيف نادر جدا.

وبث مسرح أوديون سلسلة من المسرحيات من بينها قبل فترة قصيرة "الملك لير" لشكسبير من بطولة ميشال بيكولي الذي توفي الشهر الماضي.

وفي حصيلة أولية، يبدو البث التدفقي ناجحا.

وقال ستيفان براونشفيغ مدير مسرح أوديون لوكالة فرانس برس "ربع المشاهدات لمسرحية +ليكول دي فام+ (إخراج 2018) أتى من الخارج. وقد خصتنا صحيفة +ذي غارديان+ بمقال نقدي حتى".

وأوضح أن المسرح عمد إلى إرفاق بعض العروض بترجمة "فمع تسجيل اهتمام من الخارج، أدركنا أن علينا أن نطور ما نعرضه".

وأكد فاليري جيرجييف قائد الأوركسترا والمدير العام لمسرح "ماريينسكي" في سان بطرسبرغ "ثمة ملايين من الناس يشاهدوننا. فبدلا من ألفي متفرج في الحفلة لدينا مئات الآف المشاهدين".

وازداد عدد متابعي فرقة "انغليش ناشونال باليه" بسبعين ألفا عبر الانترنت. وتأمل مديرة الفرقة تمارا روخو في "أن يكون الذين لا يملكون الشجاعة للتوجه إلى المسرح شاهدوا أول عرض باليه في حياتهم عبر الانترنت وأن يظهر جمهور جديد" مع إعادة فتح القاعات.

وعرفت منصة "ميديسي.تي في" الأولى في البث التدفقي المدفوع للموسيقى الكلاسيكية والباليه والأوبرا نموا على صعيد الاشتراكات وعدد المتابعين بلغ نسبة 150 % في 15 مارس و30 أبريل مقارنة بالفترة نفسها من العام 2019.

ومنذ بدء تخفيف إجراءات العزل، تراجع النمو إلى 25 % وهي نسبة تبقى مرتفعة نسبيا في مجال الموسيقى الكلاسيكية.

أما دار متروبوليتان أوبرا في نيويورك التي عانت سريعا من عجز قدره 60 مليون يورو وقد صرفت عددا من موظفيها، فكانت من المسارح القليلة التي تمكنت من جعل البث التدفقي مصدر إيرادات.

فهي جذبت 19 ألف متبرع وانتقل المشتركون في نظامها من 15 ألفا قبل الجائحة إلى 33 ألفا.

ورغم هذا التسونامي "الرقمي"، يأمل الجميع في عودة الجمهور.

"اجواء القاعة المؤثرة"

رأى ميشال فرانك مدير مسرح الشانزيليزيه "سيشعر بعض الناس بالخوف في البداية. لكنني أظن أنهم لن يهجروا الصالات ويعتمدوا الشاشات لأن ما من شيء يحل مكان العرض المباشر الحي. مشاهدة عرض اوبرا عبر التلفزيون لا يمت بصلة بتشارك أجواء القاعة المؤثرة".

وأضاف مانويل بروغ وهو ناقد موسيقى في صحيفة "دي فيلت" الألمانية "قيمة العرض المباشر (لايف) باتت أكبر مع هذه الأزمة. والتوجه إلى المسرح هو من آخر طقوس" الكائن البشري.

وقال بيتر غيلب مدير دار متروبوليتان لوكالة فرانس برس "في حال لم يعد الناس إلى المسارح، لن تصمد العروض الحية. الشاشة تجربة ببعد واحد ومن دون جمهور لن يكون لدينا ما نصوره بعد فترة".

ويشعر آخرون بحذر أكبر.

فقد صرح فلاديمير أورين مدير مسرح بولشوي الشهير الذي أوقف العروض عبر البث التدفقي (9,5 ملايين عملية مشاهدة) لصحيفة "كومرسانت"، "في الأمر مجازفة فمن يفرط في استخدام هذه الوسيلة سيفقد جمهوره".

ورأت تمارا روخو من جهتها أن هذه التجربة ستترك أثرا.

وأوضحت "هذه العروض كان لها جانب تسويقي خصوصا لكننا نستثمر لنوفر مضمونا رقميا أفضل. وفي المستقبل يمكن للعرض أن يتمتع بحياة مزدوجة، حياة أولى في المسرح وأخرى رقمية مختلفة جدا".

في لوس أنجليس، أطلق مصمم الرقص الفرنسي بنجامان ميلبييه منصة رقمية بجوانب مختلفة في مقابل اشتراك شهري قيمته عشرة دولارات.

أما بشأن فرض رسم على المشاهدين، فترفض المسارح الأوروبية التي تحظى بدعم رسمي في غالبيتها، اعتماد ذلك خلافا للمسارح الأميركية.

وقال فينسان أغريش المنتج والناقد في "ديابازون"، "تبقي المسارح على مجانية عروضها خوفا من خسارة الرابط مع جمهورها".

وأضاف أن عمليات إعادة البث المجانية هذه أثارت امتعاضا لدى فنانين تخلوا طوعا عن حقوقهم او تلقوا مبالغ رمزية.

وأوضح أن هذا النمط قد "يفضي إلى ممارسات سيئة لأن المجانية لها جانب يحط من قدر العمل الفني".

لكن هل سيعود الناس ليشتروا البطاقات؟

قال أغريش "قد يفقد البعض هذا الاندفاع للتوجه إلى المسارح أما البعض الآخر فعلى العكس سيكون لديه نهم لعروض جديدة. سيتعايش الميلان لكن من سيربح؟ يصعب الآن بت ذلك".

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى