تريم حضرموت بقايا عاصمة للثقافة الإسلامية

تقرير/ جمال شنيتر

تزخر بالعديد من الآثار السياحية والقصور المبنية بالطراز المعماري الحضرمي والآسيوي
عشر سنوات مضت منذ اختيار مدينة تريم في وادي حضرموت عاصمة للثقافة الإسلامية في عام 2010، وشهدت حينها العديد من الفعاليات والأسابيع الثقافية والفنية والتراثية، وحظيت باهتمام كبير محلياً ودولياً.

ومدينة تريم في وادي حضرموت من أجمل المدن اليمنية، وتتميز بقصورها الفخمة والمبنية من الطين التي بناها عمال مهرة من أبنائها الذين استطاعوا تكييف طرق البناء المحلية التقليدية لاستيعاب فنون العمارة الإسلامية واليونانية والشرق آسيوية، وتفردها بطابع البناء المعماري الطيني الذي جمع فيه أبناؤها بين طابع البناء الحضرمي والآسيوي، وهو ما أكسب قطاع الثقافة والسياحة بالمديرية مكانة خاصة.

وتاريخياً يذكر المؤرخون أن تريم كانت في السابق عاصمة لحضرموت القديمة، وقد سميت باسم ملكها تريم بن حضرموت بن سبأ الأصغر، كما أنها كانت العاصمة الدينية لها منذ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) فقد ذكر المؤرخون أنها كانت تضم (365) مسجداً و(300) مفتٍ من علماء الدين.
تريم قبل أكثر من نصف قرن
تريم قبل أكثر من نصف قرن

كنوز من المعالم
وبحسب الباحث في التاريخ علي عبدالله العلوي، تزخر تريم بالعديد من المعالم الأثرية والمواقع التي لها جذب سياحي كبير مستنداً إلى المسح العام الذي نفذته شركة MEMAR الإيطالية الاستشارية عام 2000، وشمل أهم المعالم التراثية بالمديرية، والذي بدوره صنّف جملة المعالم التراثية فيها شاملاً: المواقع الأثرية، والمعالم الأثرية، ومنشآت الري التقليدية، والسقايات، والحصون، والأسوار والأبراج والتحصينات وغيرها.

ويتطرق العلوي في حديثه لـ "إندبندنت عربية" إلى جملة من أشهر المعالم الحضارية في تريم، منها منارة مسجد المحضار التي تعدّ من أهم المعالم الأثرية الإسلامية التي بنيت من الطين عام 1222هـ الموافق 1801م، حيث يصل ارتفاعها إلى 125 قدماً، وقد بنيت من قبل أبناء البلاد نفسها وبمواد محلية، ثم تم طلاؤها بالجير(النورة)، وتعد آية فريدة في البناء والفن المعماري الحضرمي الأصيل، وتقع في قلب مدينة تريم.

كما تزخر تريم بالعديد من الآثار السياحية والقصور الفاخرة التي جمعت في بنائها بين طراز الفن المعماري الحضرمي الأصيل والبناء الآسيوي والملاوي، كما جمعت في ثنايا ذلك بعض اللمحات اليونانية الغريبة، ومن أشهر هذه القصور(عشه، التواهي، دار السلام، حمطوط، قصر الكاف، القبة.. إلخ).
وقد تولّت بعض الجمعيات المهتمة بالتراث محاولة ترميم وصيانة هذه المباني التاريخية، إلا أنها حتى هذه اللحظة لم تلقَ العناية الكافية للحفاظ عليها وصيانتها وترميمها، وتتميز هذه القصور بزخارفها ونقوشها ومنحوتاتها الخشبية العجيبة.

الحصون والقلاع والأسوار
ويشير العلوي إلى أنَّ أهم ما يميّز العمران في مديرية تريم الحصون والقلاع والأسوار والسدود المنتشرة في كل مكان، وتستخدم هذه الحصون المتناثرة على سفوح الجبال للحماية وترصُّد المغيرين، ومن أهمها حصن الرناد الذي ينتصب في وَسَط المدينة، ويُعد رمزاً للسلطة والحكم منذ عهود قديمة، ويطلق عليه الآن (قصر الشعب)، ويقال له في العهد القديم المصنعة، وقد جمع في بنائه بين نمط البناء الحضرمي واليوناني والآسيوي، وهذا المعلم الأثري بحاجة ماسة للترميم والصيانة.
قصر السلام الأثري
قصر السلام الأثري

أما القلاع فتعتبر سداً منيعاً للحماية وترصُّد المغيرين، ومن هذه القلاع والحصون (حصن مطهر، وحصن فلوقة، وحصن المعز، وحصن غرامة، وحصن بن ضوبان).
ومن المعالم التاريخية التريمية، الأسوار وأبرزها السور القديم الذي يحيط بالمدينة القديمة، وينفتح عليها في ساحة جامع تريم وحصن الرناد، وكذلك سور تريم الأخير (الحديث) الذي يعزل مدينة تريم الكثيرية عن بقية أجزاء المديرية القعيطية في العهد الإنجلوسلاطيني.

الأربطة والزوايا الدينية
تريم مدينة مصنّفة ضمن مدن الحضارة والثقافة الإسلامية، وهذا ما تؤكده الشواهد والمعالم ذات الطابع الإسلامي كالمشاهد والمزارات ودور العلم والزوايا، ويظل رباط تريم الذي بني وتم افتتاحه عام (1304هـ) وقبة أبي مريم لتحفيظ القرآن الكريم وجامع المحضار بمنارته العالية وجامع تريم الذي عَمَّره الحسين بن سلامة في عهد ابن زياد ومسجد الوعل، الذي قيل إنه أول جامع في تريم ومزار أحمد بن عبَّاد بن بشر، وقبب آل الشيخ بن سالم أبي بكر، من أهم المعالم الدينية المزارة في مديرية تريم، وكذلك عشرات الزوايا العلمية الموجودة منذ عهود قديمة، وقد كانت منارة للعلم قبل افتتاح الرباط علم 1304هـ.

تريم عاصمة للثقافة الإسلامية
وفقاً لمدير عام مكتب الثقافة في مديريات وادي حضرموت أحمد بن دويس، جاء اختيار تريم عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2010 تنفيذاً لمشروع برنامج عواصم الثقافة الإسلامية لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والثقافة والعلوم (إيسيسكو) الذي أقرّ في المؤتمر الإسلامي الثالث لوزراء الثقافة المنعقد بالدوحة في ديسمبر 2001، ترشيح مدن إسلامية تختار الإيسيسكو منها ثلاث عواصم تمثل المناطق العربية والآسيوية والأفريقية، على أن تكون مكة المكرمة أول عاصمة للثقافة الإسلامية، وتنفيذاً لذلك أقر مؤتمر وزراء الثقافة للدول الإسلامية في دورته التاسعة والعشرين المنعقدة في الخرطوم خلال الفترة من 25 - 27 يونيو اختيار ثلاثين مدينة من الثلاث المناطق العربية والآسيوية والأفريقية لتكون عواصم للثقافة الإسلامية لفترة عشر سنوات بدءاً من عام 2005 إلى عام 2014، وكان الهدف من ذلك هو نشر الثقافة الإسلامية، وتجديد مضامينها وإنعاش رسالتها وتخليد الأمجاد الثقافية والحضارية لهذه العواصم ومراعاة للدور الذي قامت به في خدمة الثقافة والآداب والفنون والعلوم والمعارف الإسلامية عبر مسيرتها التاريخية.

لماذا تريم؟
يعزو مدير الثقافة في حديثه إلى "إندبندنت عربية" اختيار مدينة تريم عاصمة للثقافة الإسلامية، باعتبارها مدينة ذات عراقة تاريخية مدونة وصيت علمي واسع تبوأت من خلالهما مكانة ثقافية بارزة على المستوى المحلي والوطني والمنطقة الإسلامية والعالم بشكل عام، بالإضافة إلى مساهمة المدينة المتميزة في الثقافة الإسلامية والإنسانية من خلال الأعمال العلمية والثقافية والأدبية والفنية لعلمائها وأدبائها ومثقفيها وفنانيها، كما أنها اشتهرت بوجود المراكز العلمية والأربطة ومراكز البحث العلمي ومكتبات للمخطوطات وأمهات الكتب في جميع المجالات التي تجعل منها قبلة الباحثين والمهتمين في مجالات العلوم والثقافة والمعرفة، وتتوفر فيها المؤسسات والمراكز والمنتديات الثقافية الفاعلة في مجال تنشيط الثقافة للأفراد والجماعات ومن خلال تنظيم المهرجانات والمواسم والمعارض الثقافية والفنية والفكرية والعروض المسرحية وأعمال الترجمة والنشر.
جانب من السور والحصن الأثري في تريم
جانب من السور والحصن الأثري في تريم

ويضيف قائلاً: "بالنظر إلى كل ما تقدم نجده ينطبق على مدينة تريم، وشفع لها أن تكون عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2010، وكان له بالغ الأثر في أصقاع عدة من العالم، حيث تم نشر الإسلام بمنهج وسطي معتدل بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أن للثراء والتنوع العمراني الإسلامي المتمثل في معالمها العمرانية كمسجد المحضار بمئذنته الشهيرة التي يبلغ ارتفاعها ما يقارب 124 قدماً مبنية من الطين بطريقة هندسية مميزة تدل على إبداع وتفوق أبنائها في ابتكار التصاميم الهندسية المعمارية المنسجمة مع طبيعة المنطقة التي تدل على التكامل والموائمة بين الإنسان والبيئة الطبيعية المحيطة به إلى جانب أربطة العلم التي اشتهرت بها والزوايا العلمية التي لازالت إلى يومنا تشع بنور العلم ويؤمّها طلاب العلم من شرق العالم وغربه، ولا يمكن أن نتجاهل دور أدبائها وفنانيها ومثقفيها في نشر فن وثقافة مدينتهم تريم وحضرموت واليمن بعامة في المنطقة الغربية والإسلامية، مثال الفنان الراحل أبوبكر سالم بلفقيه رحمه الله. وإلى يومنا هذا والإبداع يتجدد في مدينتهم بمختلف مناحي الحياة، كالبناء الطيني والحرف التقليدية التي تتم فيها محاكاة الحداثة من دون طمس الأصالة".

فوائد جنتها المدينة
وعن سؤال حول مدى استفادة تريم من اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية، أجاب بن دويس قائلاً: "استفادت تريم من اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية للتذكير بأهميتها وأمجادها ومزاياها كما بيّناها من خلال الندوات وحلقات النقاش والمؤتمرات التي تضمنها برنامج الفعاليات المعد للاحتفال بالمناسبة حينها، وإبراز العديد من المواهب والإبداعات الفنية والثقافية في مجال الإنشاد الديني والخط العربي والتشكيل والزخرفة الإسلامية، وكذلك تبادل هذه الخبرات بين المشاركين في الفعاليات من حضرموت والمحافظات اليمنية الأخرى والدول العربية والإسلامية ضمن برنامج الفعاليات المعد للاحتفال بالمناسبة، والاستفادة في جانب البنية التحتية الأساسية والبنية التحتية الثقافية من خلال تنفيذ مشاريع رصف وسفلتة عدد من شوارعها والطرق المؤدية إليها وتحسينات مجسّمات وتشجير، وفي جانب البنية التحتية الثقافية تم ترميم بعض المعالم الإسلامية والقصور التاريخية، والتدخل في بعض المنشآت الثقافية مثل تجهيز مكتب الثقافة بالمديرية ومكتبة الأحقاف للمطبوعات وبناء وتأثيث مركز ثقافي ومقر لمكتب وزارة الثقافة في عاصمة الوادي والصحراء بمدينة سيئون".
برج المراقبة وسور تريم القديم
برج المراقبة وسور تريم القديم

عبث وإهمال
ويستدرك بالقول إن حال مآثر ومعالم المدينة اليوم، حالها ككثير من المعالم والمآثر التاريخية والإسلامية والثقافية في اليمن عموماً التي طالها شيء من العبث والإهمال بفعل الأوضاع التي تمر بها البلاد منذ عام 2011 (الحركة الاحتجاجية ضد نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح)، ولا شك في أنها تحتاج إلى لفتة صادقة وسريعة وسخية لإنقاذ ما يمكن منها.

ويسهب في هذا الصدد قائلاً: "تريم مدينة الإبداع والنشاط الثقافي المتميز عبر التاريخ، وكان يحدونا الأمل في أن يؤسس اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية 2010 قاعدة وانطلاقة لفعل ثقافي مستدام ومتنوع بمشاركة وطنية وعربية وإقليمية كتنظيم أسابيع ثقافية ومهرجانات سنوية متنوعة، لكن للأسف تم وأد كل آمالنا وطموحاتنا بالفوضى التي شهدتها نهاية عام 2010 ومطلع 2011، حيث تم تكسير وتخريب ونهب مسرح وساحة الاحتفالات والمهرجانات بعدما تم تجهيزها بعشرات الملايين لتكون ضمن البنى التحتية الثقافي، حيث تم اقتحام الساحة أثناء تنفيذ مهرجان للإنشاد الديني بالشراكة بين وزارة الثقافة وأحد المنتديات بالمدينة. وكان ذلك القشة التي قصمت ظهر البعير، لكن لا يعني ذلك جمود العمل الثقافي وتوقفه فهناك فعاليات محدودة يتم تنظيمها من قِبل المنتديات والمراكز، وبالتنسيق مع مكتب الثقافة، ونحن بدورنا نشكر تلك المكونات الثقافية".

مناشدة
ويخلص في حديثه مناشداً الحكومة اليمنية والمنظمات الدولية ذات العلاقة بالثقافة والتراث الإنساني،"بإعطاء وزارة الثقافة ومؤسساتها وهيئاتها اهتماماً أكبر، ونقلها من موقع الهامش عند وضع الخطط والموازنات التنموية، فالأمم تقاس مكانتها بتاريخها وثقافتها وتراثها، ونحن حبانا الله بإرث تاريخي وثقافي مادي واجتماعي وفكري عريق وزاخر، لا بد من الاهتمام به وتوظيفه لخدمة المجتمع ورقيه.

"إندبندنت عربية"

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى