الذهب الأسود يرسم خريطة جديدة للصراع في اليمن

"الأيام" ساسة بوست:

سقوط مأرب يفتح شهية الحوثيين على حضرموت
بعيدًا عن مأرب والجوف.. من يسيطر على نفط الجنوب؟
مرّ أكثر من خمسة أعوامٍ على حرب اليمن التي أطلقتها السعودية عقب سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء في سبتمبر عام 2014، وانقلابها على الحكومة الشرعية. منذ ذلك الوقت باتت الحكومة اليمنية الطرف الأضعف، في ظل انتصارات الحوثيين الميدانية التي منحتهم نفوذًا سياسيًّا وعسكريًّا أكبر، إضافة إلى شرعية دولية ممثلة في الاعتراف بهم جزءًا من المسار السياسي. ولم تكن الجماعة لتحظى بذلك الانتصار التاريخي لولا الحرب التي استهدفتها.

وصلت التفاهمات والمفاوضات مؤخرًا لطريق مسدود بين السعودية والحوثيين، ومع انسداد الأفق نفسه بين التحالف والمجلس الانتقالي الجنوبي، شهد الصراع تصعيدًا مُختلفًا، تغيرت معه الخريطة العسكرية للحرب، وجاء التحوّل الميداني الأخير لصالح الحوثيين فاستعادوا مواقع استراتيجية مهمة خسروها في عام 2016، بينما أعلنوا أن هدفهم القادم هو استهداف حقول النفط.

يشرح التقرير التالي أبعاد المواجهات العسكرية الأخيرة في اليمن، وكيف يرسم النفط خريطة التحركات العسكرية لكل طرف.

صراع النفط.. مرحلة جديدة من حرب اليمن
طرحت الأمم المتحدة «الإعلان الشامل» حلًّا للأزمة اليمنية منذ أيام، وأطلق المبعوث الأممي مارتن جريفيثس هذه المبادرة بهدف فرض عملية السلام الشامل، لكن يبدو أن هذا لن يحدث قريبًا.
بعد أيام من مبادرة جريفيثس، قاد التحالف العربي والحوثيون معًا حملات تصعيدية عبر هجوم جوي مزدوج، استهدف مواقع عسكرية وحيوية داخل المناطق الجنوبية السعودية إضافة إلى مواقع يمنية تخضع لسيطرة الحوثي، وبخلاف الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار التي قصفت المنشآت النفطية، ومرابض الطائرات الحربية، ومنظومات الباتريوت جنوب المملكة، استهدفت الجماعة أيضًا اجتماع قادة عسكريين سعوديين في محافظة مأرب، شمال شرق صنعاء.

وفي خطٍ موازٍ، قوبلت التسريبات الأولية من مسوّدة «الإعلان الشامل» برفضٍ بين الأوساط اليمنية كونه يمنح الحوثيين شرعيةً لانقلابهم ويُلبي طموحهم السياسي القديم، تزامنًا مع تطويقهم محافظة مأرب المتاخمة لها، والتي تنطلق منها عمليات القوات الحكومية ضد الحوثيين في منطقة الشمال.
استهداف مأرب تحديدًا ليس سببه فقط كونها المعقل الأخير للحكومة الشرعية في الشمال، فالاستيلاء على المحافظة النفطية يُمكّن الجماعة من الاستفادة من مدخراتها النفطية الضخمة في عمليات القتال، واللافت أنّ السعودية استعادت مأرب كاملةً في سبعة أشهرٍ فقط بعد أن اندلعت الحرب في مارس عام 2015، بينما بقيت قوات التحالف العربي على تخوم صنعاء لنحو أربع سنوات.

أفرز صراع النفط مواجهة جديدةً في اليمن، بدأت فعليًا في مارس الماضي، حين شنّ الحوثيون هجومًا مضادًا للسيطرة على محافظة الجوف النفطية التي تتشارك في حدودٍ طويلة مع السعودية، والتي تحمل في باطنها احتياطيات كبرى من نفط اليمن والغاز المسال تصل إلى 9.8 مليار برميل، وهو ثلاثة أضعاف احتياطي نفط اليمن المسجل رسميًا، بحسب تقديرات وثيقة سرية أعدتها الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) وأفرج عنها عام 2012.

تتضح تحركات الحوثيين العسكرية القائمة على انتزاع المحافظات النفطية في الرسالة التي بثّها عضو المجلس السياسي الأعلى للحوثيين محمد علي الحوثي لأنصاره: «نحن معنا نفط صخري في عمران، وفي بعض صعدة إلى الجوف إلى حجة، يقولون إن هناك نفطًا صخريًّا كثيرًا، يعني إذا وقفت الحرب معنا خيرات»، وطبقًا للاستراتيجية الاقتصادية للحرب، فإسقاط مأرب لا يقل أهمية عن الجوف.

يفتح سقوط مأرب الوشيك شهية الحوثي على محافظة حضرموت النفطية المجاورة، وهي المحافظة النفطية الثالثة التي سعى الحوثيون للسيطرة عليها منذ عام 2014، ويعتبر النفط المحرك الرئيس لاقتصاد اليمن، إذ يمثل 70 % من موارد الموازنة، و63 % من الصادرات، و30 % من الناتج المحلي، ويتركز الإنتاج النفطي في ثلاث محافظات، شبوة، ومأرب، وحضرموت، شكلت جميعها إلى حدٍ كبير خريطة التحركات العسكرية للتحالف العربي.

تسيطر جماعة الحوثي على المناطق الأهم والأكثر كثافة سكانية داخل اليمن، وأبرزها العاصمة صنعاء ومدينة الحديدة الساحلية غربًا، والتي تضم ميناءين دوليين، بالإضافة لسيطرة مطلقة على محافظات عمران، وذمار، وإب، والبيضاء، والمحويت، وريمة، ومركز محافظة الحديدة وغالبية مديرياتها، وحجة، باستثناء مديريتين، وعدد من المديريات التابعة لمحافظة تعز.

تجربة حفتر الناجحة.. ماذا لو سيطر الحوثيون على النفط؟
كان الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر قبل سبتمبر عام 2016 منزوع الشرعية والنفوذ، لكنّه فرض نفسه سياسيًا عبر سيطرته العسكرية التي بدأت في التاريخ نفسه بإحكام قبضته على منطقة «الهلال النفطي» -شرق ليبيا- التي تمتد لمساحة تتجاوز 250 كم من بنغازي شرقًا إلى سرت غربًا، وتحتوي في داخلها 80 % من احتياطي النفط الليبي، ثم واصل تحركه صوب الجنوب الليبي، فابتلع حقلي الفيل والشرارة الرئيسيين، ويبلغ إنتاج الأخير نحو 300 ألف برميل يوميًا.

خلق حفتر خلافًا كبيرًا داخل أوروبا بسيطرته على آبار النفط في ليبيا، بعد جذبه القادة البراجماتيين داخل الصراع الليبي، وهي الورقة الاقتصادية التي اعتمد عليها في كسب «مفتاح الشرعية» الذي تمكّن به لاحقًا من شن هجوم على العاصمة طرابلس في أبريل العام الماضي، وسط تجاهل دوليٍ للصراع العسكري على أمل أن يفرض المنتصر شرعيته السياسية في النهاية.

بالعودة للملف اليمني، فسيناريو سيطرة الحوثيين الكاملة على شمال اليمن -بما فيه اثنان من أغنى المحافظات النفطية، الجوف ومأرب- إلى جانب امتلاكهم ترسانة متطورة من السلاح تمكنوا بها من قلب موازين القوى في المعارك، من شأنه أن يضع شروطًا جديدةً للتفاوض. خاصة أنه لن يكون هناك مكان للحكومة الشرعية اليمنية على الأرض، وأن السعودية لم يعد في إمكانها استهدافهم في عمق اليمن دون أن يكون هناك رد سريع من الجانب الآخر.

يبحثُ الحوثيون من خلال المعارك عن حلٍّ نهائي لوجودهم وتمثيلهم السياسي في زمن ما بعد الحرب، وهو الشرط الذي ترفضه السعودية التي تعترف بتنامي القدرات العسكرية للحوثيين بما يشكلُ نوعًا من الصعوبة في المفاوضات التي تخرج فيها الرياض بمكسب استراتيجي، خاصة أنّ الأمم المتحدة نفسها منحت شرعية الاعتراف بالحوثيين بداية من اتفاق «ستوكهولم» عام 2018، والذي أصبح الحوثيون بموجبه طرفًا أساسيًّا في المفاوضات، نهاية بمسودة «الإعلان الشامل» التي لم تُطرح رسميًّا بعد.

تقسيمُ كعكعة اليمن بناءً على ما يمتلكه كل طرفٍ من موازين القوى يجعلُ الحوثيين في صدارة المشهد السياسي مستقبلًا برعاية الأمم المتحدة نفسها، خاصة أنّ أوراق أعدائها غير مرتبة؛ فالسعودية تريدُ القضاء على حزب الإصلاح المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين قبل القضاء على الحوثيين، كما أنّ الحكومة اليمنية مشغولةً بمحاولات منع تقدم المجس الانتقالي الجنوبي على حساب شرعيتها السياسية والعسكرية.

نفط الجنوب؟
في الوقت الذي يرسم فيه النفط صعود الحوثيين في الشمال في مرحلة ما بعد الحرب، يعوّل المجلس الانتقالي الداعي للانفصال على ورقة النفط في مطالبته للانفصال اعتمادًا على المدخرات النفطية الهائلة في محافظتي شبوة وحضرموت اللتين تحويان في باطنهما أغلب النفط اليمني.
تعتبر محافظة حضرموت -شرق اليمن- إحدى المحافظات التي لم تتأثر بالعمليات العسكرية في البلاد، والتي تحتل المركز الأول بين القطاعات النفطية الأكثر إنتاجية في اليمن، وبقيت ضمن المدن القليلة التي لم تتعرض للقصف الجوي، رغم أنّ تنظيم القاعدة كان يسيطر سابقًا على ميناء المكلا، أهم الموانئ في البحر العربي، وهو المنفذ البحري الوحيد المحافظة.

كان أحد الأسباب التي دفعت السعودية لعدم تدمير البنية التحتية للمحافظة، هو المشروع القديم للمملكة المتمثل في بناء خط أنابيب نفط يمر من الأراضي السعودية إلى خليج عدن والمحيط الهندي عبر حضرموت، وهو ما يسمح لها بتجاوز مضيق هرمز، في وقتٍ تعتمد فيه المملكة النفط مصدرًا رئيسًا لاقتصادها، والمشروع نفسه أكثر فاعلية، وأقل تكلفة؛ نظرًا لأن النفط سيعبر صحراءها الشرقية عبر المحافظة مباشرة.

وبحسب وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية، فالسعودية دخلت في تحالفات مباشرة مع «تنظيم القاعدة»، وأبرمت اتفاقات سرية مع التنظيم للانسحاب من بعض المناطق وسط وجنوب البلاد، لتحييد المنشآت الاستراتيجية وعلى رأسها الموانئ، مقابل الحصول على ملايين الدولارات في صفقةٍ عقدت تحت رعاية أمريكية كاملة.
أمّا الإمارات التي ما تزال تسيطر على المحافظات الجنوبية بصورة غير معلنة، فكان الاقتصاد أحد أجندتها للمشاركة في التحالف العربي، فما زالت بعد ثلاث سنواتٍ من الحصار الخليجي المفروض على قطر تعتمد على غاز الدوحة في سد ثلث حاجتها من الطاقة، لذا مثلت محافظة شبوة الغنية بالنفط والغاز، أهمية كبرى ضمن مخططاتها وقف استيراد الغاز القطري، عبر الاستثمار في الموارد النفطية اليمنية من خلال شركة غاز نمساوية تستحوذ أبوظبي على 24.9 % من رأسمالها، بحسب تسريبات صحافية.

ألهم النفط هذه التحركات العسكرية الأخيرة، في كل من شمال اليمن وجنوبه، بشكل كبير، ومن المقرر أن يرسم الذهب الأسود خريطة جديدة للصراع في اليمن يُراهن الحوثيون على الفوز فيها.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى