الثورة التي ولدت ثورة مضادة

> احتفال صنعاء بما تسمى بثورة 21 سبتمبر له دلالته التاريخية وهم لن يستطيعوا الآن أن يعلنوا بأنهم أعادوا الإمامة بشحمها ولحمها ولكنهم غلفوا إنجازهم هذا بطابع الثورة إسوة بثورة الخميني في إيران، ومن دعم الخميني بالوصول إلى السلطة هو نفسه الذي دعم الحوثي بالوصول إلى صنعاء ومكّنه من غزو الجنوب ولازال نفس الداعمين يواصلون دعمهم بشتى الطرق والوسائل والهدف واضح تدمير ما تبقى من بلدان عربية أخرى.

وما جرى ليس صدفة ولكنه نتاج عمل تاريخي ممنهج استمر من أول يوم تأكد فيها لقادة الملكية بأن الإمامة لن تعود إلى اليمن إلا بالمشاركة مع مشايخ الزيدية الجمهوريين وخليط من هذا وذاك والتي تمثلت في انقلاب 5 / نوفمبر من عام 67 م على جمهورية السلال ولكن هذه الثورة كانت بمساعدة كاملة من قبل إخوة من فارس كما وصفهم، أحد زعماء الزيدية وهو يخاطب الملك فيصل بأبيات من الشعر بأنهم اذا لم يساعدوهم باستعادة الإمامة سيتم إعادتها إما عبر ماركس أو عبر إخوة كرام من فارس وهذا ما حصل.

المتتبع لسير انقلاب 5نوفمبر سيجد بأن استعادة الإمامة قد بدأ غراسها من تلك اللحظات عندما قررت قوى كانت جمهورية بالعلن وملكية بالسر وحاولت تعطيل مسار الجمهورية بشتى الوسائل تارة تدّعي الدفاع عن القرار اليمني المستقل كما يقولون واستعادته من أيدي القياد العربية المصرية وتارة أخرى من أجل توحيد الصف لمواجهة القوى المعادية للجمهورية وكان بعض زعماء تلك المرحلة ينتمون إلى حزب الإخوان المسلمين العالمي وهم بالأصل معادين للجمهورية وكانوا أحد الأسباب الرئيسة لهزيمة الجمهورية وهم في الواقع لا يريدوا أن تعود الإمامة إلى اليمن ويعتبرون أنفسهم الأولى لحكم اليمن ولكنهم تقمصوا رداء الجمهورية لغرض في نفس يعقوب ولهذا كانوا يتنقلون بين صنعاء والرياض ومصر ومدن عربية أخرى حتى بما فيها عدن والتي كانت تحت الاحتلال البريطاني بحرية كاملة إلى أن أتت الفرصة المواتية عند مغادرة السلال أراضي الجمهورية والذي كان يعرف أنهم قادمون على الانقلاب وتغيير النظام الجمهوري وتركهم لمصيرهم والذي لم يكن طويلا إلا وجحافل الملكيين الاقحاح يحاصرون صنعاء حيث اعتقدوا أن الوقت مناسب لخلو القوات المصرية وتضعضع الصف الجمهوري بما في ذلك خروج زعيمها السلال وجماعته من البلاد بمحاولة اقتحام العاصمة صنعاء بعملية خاطفة إلا أنهم لم يتمكنوا بسبب المقاومة الشعبية الداخلية والنجدة من الجنوب ومن قوات المشرق بقيادة الشيح العواضي والذي تمكن من فك الحصار عليها، كما لعب الخلاف بين القوى القبلية المناصرة للإمامة في اللحظات الأخيرة وعدم ثقتهم بنوايا محمد بن الحسين عم البدر بعد الاستيلاء على صنعاء وكان انسحابهم من مشارف صنعاء له الأثر في ضعضعة قوة المهاجمين.

وانتصرت الجمهورية وكعادة صنعاء كان لازم تعاقب المدافعين عنها وتم إقصائهم بطريقة وحشية بما في ذلك سحلهم بالشوارع باستخدام سلاح الطائفية والتي مهد الطريق أمام المصالحة بين ما يسمونهم جمهوريين وملكيين تحت رعاية إقليمية وتم اقتسام السلطة فيما بينهما.

في الواقع لا يوجد فرق بين ثورة 21 سبتمبر وثورة 26 سبتمبر فهما خرجا من مشكاة واحدة فانطلاق ثورة 26 سبتمبر كانت من داخل المعسكرات التي كانت تحوي عكفة الإمام أحمد وابنه البدر في صنعاء وقادها ضباط كانوا يتطلعون إلى تصفية الإرث الامامي وخروج اليمن من السجن الكبير الذي قيده فيه لعقود لكن مع الأسف رغم دعم مصر لهذه الثورة إلا أنها ظلت تراوح في مكانها تحت قيود محكمة الإغلاق وإرث تاريخي قبلي لم تستطع أن تنفض عنها غبار القرون الماضية بل عمقت جذورها في كافة مناحي الحياة بالاستفادة من وسائل العصر الحديثة التي تأتيها من النوافذ الخارجية والتي سرعان ما تذوب أمام جبروت التقاليد القبلية الراسخة والتي تتحكم بأمور العباد والبلاد.

انطلقت ثورة 21 سبتمبر التي يحتفل فيها اليوم في صنعاء من مران بحماية الزعيم وتوافق بقية القوى السياسية الحاكمة في صنعاء وكانت نفس معسكرات عكفة الزعيم علي عبدالله صالح وقائد الفرقة الأولى مدرع في استقبال أحفاد الإمامة لتسليمهم الأمانة التي كانت محفوظة لديهم بعد أن تأكدوا أن لا مكان لهم في القصر الرئاسي وأن مهمتهم انتهت وبدل أن يقفوا مع الشعب في الحفاظ على الثورة والجمهورية التي سالت من أجلها دماء غزيرة من تضحيات اليمنيين ذهبوا إلى الخيار الذي يعيد الإمامة إلى الحياة بعد أن لبست حلة فارسية الصنع والنهج والذي لبوا نداء الإخوة بعد أن فشلوا في استعادتها عبر مختلف الوسائل وهي الرسالة التي أشرنا إليها في بداية المقال ولم يعترض عليهم ثوار ما كانوا يسمونهم السبتمبريين الذين كانوا يتباهون بإنجازاتهم "العظيمة" والتي كان آخرها تسليم مفاتيح صنعاء لأحفاد الإمامة السلالية وأحفاد فارس معا.

المفارقة العجيبة أن ثوار أكتوبر قد تخلوا عن ثورتهم ودولتهم في غفلة من الزمن وسلموهما تحت وهم الوحدة إلى عصابة صنعاء وكما يقولون ضاعت الحيلة بالفتيلة وذابت في أحضان القبيلة وعصابة صنعاء وتبخرت انجازاتها وأصبح الجنوب مرتع للفساد والنهب والإقصاء والتهميش لشعب بالكامل وضاعت تضحياتهم ومعاناتهم بين صراع قيادات الجنوب التي كان همها الاستحواذ على الكرسي وضاعت الكراسي كلها وأصبحوا مشردين في أصقاع الأرض بسب تصرفهم الطفيلي وبسبب حساباتهم الخاطئة والضيقة الأفق وأضاعوا دولة كان يشار لها بالبنان.

من عجائب الزمن أن يحتفلوا في صنعاء بثورتين إحداهما أسقطتهم والأخرى أعادتهم والأعجب أن القوى السياسية اليمنية لا تلتفت إلى ما يجري في صنعاء وكأن الأمر لا يعنيها ولكنها موجهه كل قواها وتريد العالم كله أن يتوجه معها لمحاربة الجنوب بكل الوسائل بما فيها استخدام القوى الإرهابية مثل القاعدة وداعش والنصرة وأنصار الشريعة.

أصبحت حقيقة ساطعة بأن الأحزاب والقوى السياسية وحتى المواطن اليمني لم تكن أولوياتها هو استعادة صنعاء وهزيمة الانقلاب بل أصبحوا جميعا يعيشون على وهم الوحدة التي لم يحافظوا عليها في عقر دارهم.

كانت المأساة أن جميع الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني مع مشايخ القبائل والشرعية برئاسة هادي انتظموا جميعا في طابور واحد ليوقعوا على التسليم في اتفاق السلم والشراكة وسلموا الجمل بما حمل ونقضوا حتى مشاريعهم السياسية التي ظلوا سنة كاملة يناقشوها في موفنبيك آكلين شاربين ومع مصروف الجيب اليومي ونسوا حتى ماتم مناقشته، وتم ذلك تحت إشراف ممثل الأمم المتحدة.

أما الفعاليات الأخرى من المشايخ القبليين والعلماء الدينيين والذين مازالوا متمسكين بفتوى قتل الجنوبيين لم يتمكنوا من حماية أنفسهم وعندها تبرعت نساء صنعاء بالحماية لشيخ مشايخ حاشد الذي كان يهدد الجنوبيين بغزوهم بمليونين من المقاتلين إن فكروا بفك الارتباط.

لكن لم يسعفهم الوقت لإحضار عشرة رجال لحمايتهم في صنعاء أما البقية فقد هربوا باستخدام عباءات النساء فارين بجلودهم.

بعدها كان قرار قيادة صنعاء الجديدة غزو الجنوب لتعميد الوحدة بالدم السلالي بعد أن تم تعميدها بالدم القبلي توجهوا جميعا مع الجيش السلالي وبجانبه وأمامه جيش عكفة الزعيم وقائد الفرقة مدرع ليفسحوا له الطريق ليسير في خط المسير من صنعاء إلى عدن ولم يعترضه أحد، حاملين معه البيارق لملاحقة الدواعش الجنوبيين حسب وصفهم هكذا هم يصطنعون للجنوب صفات جديدة لإقناع العالم الذي بارك لهم هذا الغزو بأنهم في حرب مفتوحة مع الإرهاب الجنوبي والذي في نظرهم امتداد لما وصفوه في عام 94 بانهم يحاربون الكفار والشيوعيين.

الغريب أن العالم لم يتعامل مع غزو الجنوب بالجدية الكافية، بل يذهب لتبرير تلك الغزوات ويدعوا إلى امتثال الجنوبيين لما يصدر عن صنعاء أو من ممثلي الشرعية في خارج البلاد وأن العالم مع وحدة اليمن وسلامة أراضيه وهي رسائل دعم لكلا الطرفين القابعين في صنعاء والشرعية الإخوانية التي تتمسك بها كشماعة لتدمير الجنوب وارتكاب المجازر وتشريد الناس من أراضيهم ويمنع عليهم إدارتها ولم يعرف العالم بأنه يرتكب جريمة في حق شعب الجنوب ويعطي الضوء الأخضر لغزاة متوحشين لإبادته والاستيلاء على مقدراته.

السؤال هل تستوجب مصالح الغرب أن تصل إلى درجة بأنها تسمح لإبادة شعب لتواصل استمرار نهب النفط والغاز وتشجيع عصابة لتقاسم ثروات الآخرين معهم؟

الجنوب اليوم يحارب الإرهاب بجدية ويقدم التضحيات نيابة عن العالم والوقائع ظهرت بأن الارهاب كان ولازال يخرج من جلباب الشرعية المتمثلة بالإخوان المسلمين وكذا تتخادم معه قيادة صنعاء المتمثلة بالحوثي السؤال كل هذه التضحيات التي يقدمها الجنوبيون من أجل ماذا؟ هل من أجل أن يظل الجنوب يعاني من حروب الخدمات والمرتبات وتجويع شعب الجنوب التي تمارسه الشرعية وإلى متى سيظل سيف هذه الحروب مسلط على الجنوب وهل لم يحن الوقت ليتحمل الجنوبيون مسؤولياتهم المباشرة لإدارة الجنوب وإلى متى سيظل شعب الجنوب يعاني هذا التعنت والإذلال ؟ وإلى متى سيظل العالم يدعم هذه القوى التي تدعم الارهاب ؟

> أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى