> المكلا "الأيام" خاص:

تمثل العملية الأمنية الأخيرة التي نفذتها قوات النخبة الحضرمية في مديرية الشحر بمحافظة حضرموت، نموذجًا متقدمًا للاستراتيجية الاستباقية في مكافحة الإرهاب، فالعملية، التي جاءت إثر معلومات استخباراتية دقيقة، تعكس تطورًا ملحوظًا في التنسيق الاستخباراتي والعملياتي، وتشير إلى تصاعد التهديدات الإرهابية في وادي حضرموت، خاصة من قبل تنظيمي القاعدة وداعش، بالإضافة إلى تحركات مشبوهة مرتبطة بجماعة الحوثي وتنظيم الإخوان المسلمين.
  • نقطة تحول في مكافحة الإرهاب
تعكس عملية الشحر طبيعة التحول في العقيدة الأمنية للنخبة الحضرمية، من أسلوب الرد إلى أسلوب المبادرة، إذ إن الضربة جاءت قبل وقوع أي هجوم، بناءً على مؤشرات وتحليلات استخباراتية، ما يشير إلى أن الجهاز الأمني في حضرموت بات يمتلك قدرات استخباراتية وميدانية متقدمة.

وتشير العملية إلى وعي أمني متزايد بخطورة ترك المناطق النائية، مثل وادي عرف، دون رقابة، كونها تشكل ملاذات مثالية للجماعات الإرهابية لإعادة التموضع أو التخطيط لعمليات هجومية.
  • الوادي.. بؤرة الصراع
تمثل مناطق الوادي في حضرموت نقطة ارتكاز استراتيجية للتنظيمات الإرهابية، نتيجة لطبيعتها الجغرافية المفتوحة وتضاريسها الوعرة، ما يجعلها ملاذًا مثاليًّا للتخفي والتحرك بحرية بعيدًا عن أعين السلطات الأمنية.

وقد شكلت هذه المناطق، على مدى سنوات، موطئ قدم للقاعدة، حيث تتداخل فيها الولاءات القبلية والفراغ الأمني، وهو ما تستغله الجماعات الإرهابية.

لكن الأخطر أن هذه المنطقة باتت في الآونة الأخيرة ساحة تحرك مشترك أو متبادل بين عناصر متطرفة من القاعدة وعناصر استخباراتية أو أمنية مرتبطة بالحوثيين والإخوان، في إطار محاولات لخلق حالة عدم استقرار دائم، بما يخدم أجندات سياسية وعسكرية معادية للجنوب والتحالف العربي.
  • تجربة النخبة
منذ تحرير مدينة المكلا في أبريل 2016 من قبضة تنظيم القاعدة، أثبتت النخبة الحضرمية أنها قوة أمنية ذات كفاءة وقدرات وحس، انطلقت من رحم الأرض وتملك حاضنة اجتماعية واسعة.

وتبرز أهمية هذه القوات في أنها ذات طابع محلي، ما يجعلها أكثر قدرة على فهم طبيعة المنطقة وجغرافيتها وتكويناتها القبلية والاجتماعية، وبالتالي أكثر فعالية في تفكيك الشبكات الإرهابية واختراقها.

نجحت النخبة في تثبيت الاستقرار في ساحل حضرموت، في حين ظل وادي حضرموت يعاني من حالة أمنية هشة بسبب استمرار سيطرة قوات المنطقة العسكرية الأولى، التابعة للإخوان، والتي اتُهمت مراراً بغض الطرف عن تحركات التنظيمات المتطرفة، إن لم تكن متورطة في تسهيل عملها بشكل مباشر أو غير مباشر.
  • تحالفات مشبوهة
لا يمكن قراءة التحركات الإرهابية الأخيرة في حضرموت بمعزل عن السياق السياسي والعسكري العام في الجنوب واليمن، فقد أظهرت تقارير استخباراتية وشهادات ميدانية تورط جماعة الإخوان المسلمين (ممثلة بحزب الإصلاح) في علاقات تكتيكية مع عناصر من القاعدة، خاصة في وادي حضرموت، وذلك لضمان استمرار الفوضى وتبرير بقاء قواتهم هناك.

من ناحية أخرى، أظهرت السنوات الماضية تعاوناً غير مباشر بين الحوثيين وبعض الخلايا الإرهابية، عبر إطلاق سراح عناصر من القاعدة وداعش من السجون، أو غض الطرف عن تحركاتهم في مناطق سيطرة الجماعة.

وهنا تبرز أهمية التحرك الجنوبي لتحجيم هذه التحالفات المشبوهة، إذ باتت القوات الجنوبية تدرك أن الخطر الإرهابي لا ينفصل عن الخطر السياسي المتمثل في الإخوان والحوثيين، بل إن هذه الجماعات غالباً ما تعمل ضمن تكتيك واحد هدفه تقويض الأمن في الجنوب وتهديد خطوط الملاحة الدولية.
  • سيناريوهات قادمة
العملية الأمنية في الشحر تفتح الباب أمام حقبة جديدة من المواجهة في حضرموت، خصوصاً في مناطق الوادي، فنجاح القوات الجنوبية في فرض سيطرتها الأمنية على هذه المناطق، سيشكل ضربة قاصمة للتنظيمات الإرهابية، وسيعيد ترتيب ميزان القوى في المحافظة.

غير أن هذا النجاح مشروط بعدة عوامل، أبرزها:

تفكيك البنية السياسية والعسكرية للإخوان في الوادي، وخاصة عبر إنهاء وجود المنطقة العسكرية الأولى.

دعم التحالف العربي المستمر، سواء عبر الإسناد الجوي أو الاستخباراتي، أو الدعم اللوجستي والتمويلي.

إعادة هيكلة المنظومة الأمنية في الوادي، بما يسمح بدمج قوات النخبة الحضرمية ضمن جهاز أمني موحد يضمن الاستقرار الدائم.
  • خلاصة
يبدو أن العملية الأخيرة في الشحر لم تكن مجرد مداهمة أمنية اعتيادية، بل هي خطوة استراتيجية ضمن مشروع طويل الأمد تقوده القوات الجنوبية والنخبة الحضرمية لتحرير وادي حضرموت من براثن الإرهاب وأدواته السياسية.. لهذا فإن هذا المشروع يتطلب أولا تعزيز الحضور الأمني الجنوبي في وادي حضرموت، من خلال تمكين قوات النخبة من الانتشار الكامل. وثانيا ملاحقة العناصر الإرهابية وأذرعها السياسية، سواء كانت تابعة للقاعدة أو ترتبط بالإخوان والحوثيين.

اما ثالثا فهناك ضرورة لإعادة رسم المشهد الأمني والعسكري في حضرموت، عبر إخراج القوات غير المنضبطة والمشبوهة، مع رفع وتيرة العمل الاستخباراتي وتطوير البنية التكنولوجية الأمنية، لرصد التحركات قبل وقوعها.

ما يعني في المحصلة أن النجاح في معركة حضرموت قد يشكل بوابة لانتصارات مماثلة في شبوة وأبين والمهرة، وبالتالي إعادة رسم خريطة أمنية جديدة في الجنوب، تكون قادرة على ضمان استقرار طويل الأمد، لا يخدم فقط اليمن، بل المنطقة بأكملها.