أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:20 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • شرعية «الفيد العابر للقرون»: حين تصبح الكارثة مشروعًا استثماريًا!

    أحمد يسلم صالح




    ​ تأمّلتُ كراسات التاريخ السياسي العسكري بعناية، فلم أجد منطقاً يُضاهي العبقرية البرغماتية لـ «العقل الاستثماري» العابر للعهود في "يمن الحكمة" إنّه ذلك المنطق الرفيع الذي لا يرى في الحرب دماراً أو مأساة، بل يراها موسمًا وفير العطاء وموردًا لا ينضب؛ فلسفة تجريدية أزلية تقوم على مبدأ جوهري حاسم: "طالما أن الحرب تُدرّ الذهب، فإن حسمها خطأ إستراتيجي، والسلام والحسم إفلاس محقق!.

    ​ليست هذه الظاهرة مجرد حيلة إدارية طارئة، بل هي «عقيدة وجودية» موغلة في القِدم، تجري في الدماء مجرى المصل، وتتسرب في نسيج النخبة والشارع على حد سواء؛ من هرم السلطة وقمّة رأسها إلى أدنى الشرايين لدى المواطن البسيط، حافرةً مسارها بالدم والذهب عبر محطات التاريخ.

    ​عندما تُباع العواصم بـ «فتوى الفيد»

    ​إذا أردتَ أن تفهم سرّ هذه الفلسفة، فعليك أن تغوص في جذورها؛ فهي لم تبدأ اليوم ولن تنتهي غدًا.

    ف​عندما أراد الإمام استعادة صنعاء من أيدي ثوار عام 1948م، لم يقدّم للقبائل حجة سياسية ولا مشروعًا وطنيًا جامعًا، بل لوّح لهم بالورقة الأكثر نفاذاً إلى القلوب والعقول: «صنعاء مدينة مفتوحة للنهب والفيد»! استُبيحت العاصمة ودُمّرت قدراتها تحت شعار "حلالٌ عليكم"، كأكبر عملية مكافأة للغزاة على حساب وطنٍ ومشروع ثورة دستورية مكلومين.

    ​وبذات الفلسفة الافتراسية، أعيد إنتاج المأساة بحذافيرها في صيف عام 1994م؛ حين سقطت عدن لا بمشروع وطني أو تثبيت وحدة، بل تحت وطأة الفكر الافتراسي ذاته الذي حوّل المدينة الباسلة، بمؤسساتها ومصانعها ومقدراتها، إلى غنائم مقتسمة بين أمراء الحرب وشركاء الفيد.

    ​حكمة القاضي.. و«بزبوز الفيد»

    ​يتجلّى سرّ هذه العبقرية في حكاية يرويها القاضي عبدالرحمن الإرياني نفسه، حين التقاه الرئيس جمال عبد الناصر إبان حرب الملكيين والجمهوريين وحصار السبعين اليوم، عندما استعرض عبدالناصر أمامه بثقةٍ التقارير الاستخباراتية التي تؤكد حسم المعركة لصالح الجمهوريين وحلفائهم المصريين في غضون أسابيع قليلة.

    ​يومها، ضحك القاضي الإرياني فاغراً فاه، ليقطع التفاؤل المصري بقصة من أيام الحرب بين الإدريسي والإمام حميد الدين؛ قائلا : "يا سيادة الرئيس، القبيلة في عرفنا تنقسم بمهارة بين (إمام الذهب) و(إمام المذهب)، ليتأكد الجميع من استمرار المساعدات والغنيمة من الطرفين! إنهم يجعلون الحرب وسيلة لـ الفيد، فتطول ولا تُحسم.. لأنها لو حُسمت لإنتهى (بزبوز الفيد)!".

    ​الفرق بين 3 أيام و30 شهرًا!

    ​تتحقق هذه الفلسفة بقصة عشت أحداثها ​ذات يوم، كنت بمعية وزير الزراعة الأسبق حسن سويد و محافظ أبين فريد مجور يومها في زيارة لتفقد فريق باكستاني يدرس بناء سد في وادي بنا عند (حيرة أرق). عام 2004م ويومها سألنا الوزير فجأة عن وادي حطاط، وعن المعركة التي دارت هناك بين الجيش والتنظيمات المسلحة " عام 2003م وكم استمرت المعركة؟".

    ​فأجبناه معا بكل براءة وتلقائية: "ثلاثة أيام فقط!".

    ​شهق الوزير مستغربًا، وقهقه بملء شدقيه متسائلًا عن هذا الإنجاز غير المتوقع ثم صاح مو جهًا كلامه للمحافظ: "والله إنكم طيبون يا إخواننا! لو كانت هذه الحرب عندنا في مناطق الشمال لما انتهت قبل ثلاثين شهراً، وربما تزيد!". وحين سألناه عن السبب، أردف ببساطة: "هذه فرصة العمر للشيوخ والوسطاء والقادة والمسئولين والحواشة والسماسرة والافاكين . فالطول الزمني للمعارك هنا ليس تعثرًا ميدانيًا، بل هو «فسحة استثمارية» لا يجوز تفويتها.

    ​«طلبة الله».. معادلة (50 + 50) لدى المواطن البسيط

    ​ولأن هذه الفلسفة ليست حكراً على قادة العسكر والوزراء، فقد تشربها المواطن البسيط ليصنع منها أسلوب حياة وإبداعًا نفعيًا عجيبا.

    ​تذكر الوثائق المصرية قصة ذلك القبيلي العادي الذي اكتشفه المصريون يتسلل إلى صفوف الملكيين، ليستلم منهم اللغم الواحد ويغرزه في طريق المصريين مقابل 50 ريالًا (ماريا تريزا). وما إن ينهي مهمته ويقبض ثمنها، حتى يهرول مباشرة إلى القيادة المصرية ليبلّغ عن مكان اللغم ويطلب نزعه بنفسه مقابل 50 ريالًا أخرى!

    ​وعندما ضبطوه وسألوه بذهول عن سر هذا المسلك المتناقض، أجابهم ببديهية ناصعة وأريحيّة فلسفية: " طلبة الله من هنا.. ومن هنا!".


    ​الأرواح المحوقلة والـ 11 وظيفة!

    أتذكر ​حين صعد مسئولون وقادة عسكريون من الجنوب عقب الوحدة بنظامهم الصارم ووظائفهم المحددة، اكتشفوا عالمًا عجيباً ينبض بالخيال الخلاق.

    ​فوجدوا أن قادة الألوية والفرقات العسكرية يمتلكون مئات الأسماء الوهمية لـ «جنود أشباح» في كل لواء، حيث تصرف لهم الرواتب والأغذية والملابس والمستلزمات، لتتحول بكاملها إلى نصيب القائد المظفر والوزير الموقر. بل إنه عند البدء في إجراءات كشف الازدواج الوظيفي، ذُهل الجميع حين تبين أن وزيرًا واحدًا كان يحمل في جيبه 11 وظيفة حكومية ويتقاضى مرتباتها جميعًا في وقت واحد!.

    ​شرعية الفنادق وتدريب الحلفاء

    ​إن ما تمارسه اليوم ما تُسمى بـ «شرعية الفنادق» وعليميها المعلم ينطلق من ذات المبدأ تجارة المبررات وحيل التزوير ، وجني المبالغ الطائلة، وضخ الفواتير الصورية للتحالف تحت مبررات الحرب والمصاريف والكسب، وماهذا ليس سوى استدعاء وتكرار جيني لهذه الفلسفة التاريخية العريقة.

    ​ولعل السخرية المرة في المشهد اليوم تجسدت في قول أحدهم بتهكم: "حتى ضباط التحالف العربي، بكل حداثتهم وتجهيزاتهم، تعلموا الدرس أخيرًا.. ولكن على الطريقة اليمنية الخالصة!".

المزيد من مقالات (أحمد يسلم صالح)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال