إزاحة الجنوب وأهدافه المعلنة من الحياة السياسية، وترك الخطاب بشأن قضيته عائمًا، يسوّقه مسؤول هنا وآخر هناك، بما لا يتجاوز رفع العتب وامتصاص الغضب، تبدو عنواناً لمرحلة يتغول فيها خصومه تحت وصاية التحالف.
ومع ذلك، لا يستطيع أحد تجاهل ما يحدث في المناطق المحاذية، فالجغرافيا وموازين القوة تجعل أمن مناطق الجنوب مرتبطًا بما يجري حولها. لكن الدخول في حرب مفتوحة وتحمل كلفتها البشرية والعسكرية، في ظل واقع سياسي معاد لتطلعات شعبه، يعيد طرح السؤال: ما عنوان المرحلة؟ وما شكل اليوم التالي للحرب؟.
فإذا كان مطلوباً من قوات الجنوب أن تكون شريكًا رئيسيًا في صناعة التوازن العسكري، في الوقت الذي يجري فيه تجريف إنجازاته، وملاحقة ناشطيه، وشيطنة أهدافه، ومحاولة تحميله إخفاقات الآخرين، فمن الطبيعي أن تثار أسئلة حول بوصلة هذه الدماء، وحقيقة الشراكة التي تستدعي الجنوب حين يتعلق الأمر بمن يقاتل، ثم تغيّبه حين يتعلق الأمر بمن يقرر.
كما أن الشعارات المبهمة لا تصنع تحالفًا مستقرًا، فالتحالفات تقاس بوضوح المصالح والالتزامات والغايات، وليس بحرارة الخطاب، ولا بسرديات "القائمين" على تحرير نصوص هائمة تروّض العواطف المضطربة.
بالتأكيد، لا يمكن النظر إلى الجبهات المحاذية لمحافظات الجنوب باعتبارها خطوطًا منفصلة، أو حصر أمنها داخل حدودها. فأي اختلال في موازين القوة المحيطة قد ينعكس مباشرة على الجميع، خصوصًا في ظل مشروع أنصار الله المعلن عن حرب تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة على الشمال والجنوب.
ولهذا لا يملك الجنوب ترف الانكفاء وانتظار انتقال الخطر إليه. فمنطق الأمن يقتضي إبعاد خطوط المواجهة عن مناطقه ومدنه وعن الممرات الحيوية، ولكن ضمن استراتيجية واضحة الأهداف والمهام والمسؤوليات، لا عبر عمليات نزف مفتوح لا يُعرف مداها ولا نهايتها.
وهنا ينبغي التمييز بين مشاركة القوات الجنوبية في بناء ميزان قوة يمنع التوسع ويبعد التهديد، وبين تحويلها إلى قوة مفتوحة المهام في حرب قد تتسع جغرافيًا وسياسيًا. وهذا ليس منطق انعزالي، بل توزيع واع للمسؤولية العسكرية والسياسية، وتوازن بين مقتضيات الضرورة الأمنية ووضوح الهدف السياسي.
المعضلة الحقيقية تبدأ حين لا تكون الجهة التي تتحمل جانبًا مهمًا من كلفة الحرب شريكة بالقدر نفسه في قرارها. فحين يتركز القرار العسكري خارج القوى التي تتحمل أعباء المواجهة، بما في ذلك تحديد الجبهات، وتوزيع الأدوار، واختيار من يقاتل ومن يبقى بعيدًا عنها، ينشأ مع مرور الوقت اختلال عميق في بنية الشراكة، خصوصًا حين تتفاوت كلفة الحرب بين الأطراف، فيما تبقى قوات كبيرة بعينها خارج دائرة المعارك، مكرسة لمهام ومصالح أخرى.
وتزداد المعضلة تلك مع التغافل عن حقيقة ما آل إليه الجنوب بعد أحداث يناير. فهو يقف في تقاطع بالغ التعقيد، أمامه خصوم أشداء، وبجانبه ومن حوله شركاء ضرورة، أشداء أيضًا في خصومتهم المعلنة، فيما تظل حركته محكومة إلى حد بعيد بإرادة (حليف إقليمي) يملك ثقلاً حاسماً في إدارة المشهد العسكري والسياسي، ولا يقيم وزناً لدم الجنوب أو لأهدافه.
وفي مثل هذا الواقع، يصبح أخطر ما يمكن فعله هو الطبطبة على عقول الناس وتلفيق صورة مطمئنة لا وجود لها، أو استبدال قراءة المصالح وموازين القوة بكيل المديح للتحالف والقادة، أو تسويق الشعارات البراقة. فالسياسة لا تبنى على المجاملات، والتحالفات لا تقاس بالنوايا المعلنة، وإنما بموقع كل طرف في القرار، وبما يملكه من ضمانات في التسوية ووضوح في المصير.
مرة أخرى، إذا كان الجنوب يعرف ما هو مطلوب منه في الحرب، فمن حقه أن يعرف ما الذي ينتظره في اليوم التالي. أما أن تكون خريطة الجبهات واضحة، بينما تتحرك تحت سقف سياسي غامض، فإن المشكلة لا تعود في حدود الجبهة فقط، وإنما في حدود الشراكة نفسها.
فالدماء التي تُدفع في الحرب لا ينبغي أن تكون أوضح من الهدف الذي تُراق من أجله. وهنا يعود السؤال الذي لا ينبغي أن تضيع إجابته وسط ضجيج الجبهات: ما عنوان المرحلة هذه، وما اليوم التالي الذي تقود إليه؟.
فالحروب لا تُقاس فقط بما تحققه في ميادين القتال، وإنما بما تفضي إليه سياسيًا. وإذا غاب الجواب عن اليوم التالي، فقد يتحول الانتصار العسكري نفسه إلى بداية أزمة كارثية جديدة.