عدن تحتاج إلى حائط مبكي

عياش علي محمد

 
عياش علي
عياش علي
لم تنفع المهرجانات في تقليل موجات الصراع الذي طال اليمنيين منذ ولادة جمهوريتهم، ولم تنفع مؤتمرات التصالح والتسامح في تقريب وجهات النظر بينهم أو إعادة لُحمة وحدتهم، أو مجرد تحالفهم مع الاحتفاظ كل مكون بتكوينه السياسي.
وعدن كانت مركزاً لتلك الصراعات منذ أن ارتفع علم الاستقلال، ولا زالت تتذكر مدينتها الكوارث التي حلَّت عليها، ومع ذلك ظلت عدن متسامحة مع الجميع ولم تنطق بكلمة عتاب على الذين أكلوا من رزقها وبصقوا في صحونها، وتسامحت مع من جاء فقيراً فأسكنته جناتها، وعفت ودافعت عن من قذف الصواريخ على أحيائها، واحتضنت كل من جاء يبحث عن رزقه في عدن، فقدمت له الوظيفة والحقيبة والوزارة، بل ورفعت من شأنه، وجعلته سيداً على أرضها وحاكماً على أهلها، فلم يتعظوا من ذلك وبدلاً من أن يردوا إليها الجميل، أسقوها شراراً من جهنم وأجاعوا مجتمعها وشردوه.

والآن يجب أن يقف من الذين أساؤوا إليها أمام حائط المبكي، من حيث أن ينصب جداره في الساحات التي شهدت فيها البلاوي، وعلى من يريد أن يتسامح مع عدن، وعليه أن يبكي على حائطها بكاءً، حيث تنزل مليمترات الدموع، ليخرج بعدها صافياً ضميرُه من الترسبات التي علقت به، ويعود إلى رشده وحبه للوطن وسكانه.
وعدن تحتاج إلى حائط مبكي، حيث يتقدم كل واحد يشعر أنه اقترف ذنباً في حقها، ويسهل له الدخول إلى محراب حائط المبكى، يمارس شعائره في البكاء للمدة التي يقررها بنفسه حسب الذنوب التي ارتكبها.

وعلى الذين أذنبوا في حقها، ولاذوا بالفرار إلى الخارج واستوطنوا المدن في الخارج وتذكروا إساءتهم لعدن بقصد أو بدون قصد، أو يقطعوا تذاكرهم ويطلبون الإذن بالزيارة، ويقضون ساعات يمارسون شعائرهم في البكاء، لتسمح له عدن أن يصبحوا أعضاء مداومين على زيارة حائط المبكى، وأكثر من تقع عليهم مسؤولية ارتكاب الآثام بحق عدن سابقاً ثم عادوا بصفتهم حكاماً لاحقين، عليهم بدرجة أولى أن يقضوا أمام حائط المبكى، عدة مرات في اليوم، وذلك حسب ما ارتكبوه بالأمس، وما يمارسوه من ذنوب لاحقة.

وبدون حائط المبكى في عدن ستظل عدن مباحة للصراعات مع الذين يحملون المطامع ومع الذين يأكلون من ممتلكات ضحاياهم ويكون حائط المبكي أفضل من المؤتمرات والمهرجانات في التصالح والتسامح.