اليوم.. تشييع السياسي المخضرم «مقبل» من عدن إلى أبين

«الأيام» خاص

مقبل.. ورحل الرجل الذي وقف في وجه صالح
توفي أمس في مدينة صنعاء، السياسي الجنوبي المخضرم والقيادي الاشتراكي علي صالح عباد "مقبل"، بعد سنوات من صراعه المرير مع المرض، لم تمنعه عن ممارسة العمل السياسي من وقت إلى آخر.
«مقبل» توفي في منزله بصنعاء عن عمر ناهز الثمانين عاماً وسيتم نقل جثمانه إلى عدن، تمهيداً لدفنه بمسقط رأسه بقرية الدرجاج في محافظة أبين.

ويعد علي صالح عباد، من أهم وأبرز القيادات التي مرت على الحزب الاشتراكي اليمني منذ تأسيسه في الجنوب، وتمكن من الحفاظ على «الحزب» حين اضطر قادة الصف الأول فيه للنزوح بعد حرب احتلال الجنوب في العام 1994.

وكان مقبل من أبرز الشخصيات السياسية، وأكثرها حضوراً خلال العقود الأربعة الماضية، سواءً من خلال المواقع القيادية التي تولاها في الحزب الاشتراكي قبل الوحدة، أو حضوره في الحياة السياسية في دولة الوحدة، أو ما تلا ذلك من تنكر للشريك الجنوبي في الوحدة، إذ برز الرجل مدافعاً قوياً عن القضية الجنوبية منذ اللحظات الأولى لظهورها سواءً من خلال الترتيبات غير العلنية التي تلت حرب اجتياح الجنوب، أو تلك العلنية التي ظهرت في الساحة الشعبية للمطالبة بالحق الجنوبي واستعادة المكانة السياسية التي سعت قوى الشمال وقبائله إلى سلبها وطمسها.

القيادي الجنوبي ذو الأفق البعيد، والحنكة السياسية الفريدة، ظهر إلى جانب عدد من قيادات الجنوب في ساحة العروض بخورمكسر يوم السابع من يوليو العام 2007م إيذاناً بانطلاق الحراك الجنوبي السلمي المطالب باستعادة الهوية الجنوبية، والمكانة السياسية المسلوبة، وهو -في نظر متابعين- إدراك حقيقي لـ«الفخ» الذي وقع فيه الجنوب جراء الوحدة التي كان الحزب الاشتراكي سبباً فيها.

من هو مقبل؟
منذ ستينات القرن الماضي كان صالح عباد مقبل، من أهم كوادر الجبهة القومية لتحرير اليمن، التي قادت حرب التحرير لاستقلال الجنوب.
بعد الاستقلال أصبح واحداً من أبرز نجوم اليسار بصوفية ثورية ومبدئية، وصدق صعد إلى الجبل لإيقاف ما يراه انحرافاً عن الثورة.

وقف إلى جانب الزعيم الوطني الثوري سالم ربيع علي، وكان الضمير المستتر في قيادة الحزب والدولة.
دفع الثمن في المعتقل بضعة أعوام من قِبل رفاقه وتلاميذه، والمتاعب التي عاناها ويعانيها هي الثمرة الكريهة للاعتقال والتعسف في المعتقل.

بعد الخروج من المعتقل وقف غير بعيد عن حزبه ظل على تواصل مع قيادات حزبه تعرض لمحاولات التصفية أكثر من مرة لم يهِن ولم يستسلم.
انتخب في دائرته في أبين عضواً في مجلس النواب في انتخابات 93، وأصبح عضواً في هيئة رئاسة المجلس. ينحدر مقبل اجتماعياً من أسرة كبار ملاك الأراضي في المنطقة الخصبة أبين
كان ابناً باراً بشعبه ووطنه، من القلائل الذين كانوا شديدي المواجهة مع «صالح» وزبانيته ومع الإصلاح وعتاولته.

وفي حرب 94 تعرض للمضايقة والتهديد والهجوم على السكن المستأجر له.
ما إن سكتت المدافع، حتى تصدى لمهمة إعادة بناء الحزب، في ظروف غايةً في الخطورة والتهديد بالتكفير والتخوين.

صمد ابن عباد وتواصل مع رفاقه، وعُقد المؤتمر وانتخب أميناً عاماً للحزب. قاد الحزب في ظروف ما بعد حرب 94، وهي الحرب التي دمرت الجنوب، ولا نزال نعيش مسلسل جرائمها وفصول كوارثها حتى اليوم.
وقف مقبل وحزبه ضد حروب صعدة الستة، وضد حرب 94، وضد كل الحروب التي دمرت الجنوب والشمال. ومزقت وحدته وإعادته إلى ما قبل الكيان الوطني.

عاش مقبل عفيفاً، لم تنسب له أية مخالفة تتعلق بالسمعة، أو أنه استخدم موقعه الحساس والمهم للكسب، أو الاستبداد، أو الفساد.
شطط الأفكار، والتطرف، و «التياسر» قضية مشتركة بين الاتجاهات اليسارية حينها، وربما تجلت أكثر في الجبهة القومية، والتنظيم السياسي؛ بسبب الصراع على السلطة، وغرور التفرد. وهي سمة عامة، وقاسم أعظم بين حركات التحرر الوطني في البلدان المتخلفة. ورفاق «مقبل» الشبان المتفتحون على الماركسية، كانوا أبناء بنية مجتمعية شديدة التخلف، وتسود فيها ثقافة الاستبدادية التي دمغت جُلّ الحركات الثورية والتحررية في القارات الثلاث.

كان «مقبل» عنواناً ثورياً، نقيّ الضمير، صادق المواقف، دفع ثمن إخلاصه للتجربة الثورية في الجنوب، وتجربة اعتقاله ورفاقه تحتاج إلى دراسة وتوثيق.
غَبنُ ابن عباد أن اعتقاله قد تم على يد رفاق وتلاميذ كان يختلف معهم، ولكنه لم يكن يتصور أن يصل الأمر إلى ما وصل إليه بعد انقلاب 78.

احتفظ ابن عباد بتوازنه النفسي، وابتعد عن الصراعات التي سادت بعد كارثة 13 يناير 86 بين رفاق الحزب الاشتراكي، كما تجاوز قبلها المرارة التي مر بها بعد كارثة انقلاب يونيو 78.

مقبل و الوحدة
بعد الوحدة، وبعد انتخابات 94 فاز «مقبل» بعضوية مجلس النواب، وفيما بعد أصبح في هيئة رئاسة المجلس، وكان في مواجهة دائمة وعقلانية مع جماعة المؤتمر والإصلاح، اللذين شكلا ثنائياً ضد أي مشاريع أو قوانين تهدف لإنهاء الفساد، والاستبداد، وسيطرة القوى التقليدية المهيمنة على جهاز السلطة: سلطة الـ(ج.ع.ي) التي ظلت تحكم حتى بعد قيام الوحدة. فقد رفضت هذه السلطة توحيد ودمج الجيش والأمن على أسس وطنية، والحد من تغول المركزية، وتركز السلطة في يد الرئيس صالح. لقد حالت هذه السلطة دون تحقيق اندماج وطني حقيقي، وقامت بتهميش القيادة الجنوبية، والإساءة إلى تجربة ثورة 14 أكتوبر، وتدمير المكاسب الوطنية لهذه الثورة.

وجد مقبل نفسه في مواجهة دائمة مع المؤتمر والإصلاح المسيطرين على المجلس النيابي، ولكنه بجلد وعقلانية وصبر استطاع نسج حوار مفيد وبنَّاء مع التيار العقلاني داخل المؤتمر: علي مقبل غثيم، ومحمد عبدالله الفسيل، وحسين العمري، وعلي لطف الثور، ونعمان المسعودي، وآخرين، وتم بجهد هؤلاء إلغاء المعاهد، وإعادة النظر في المنهج التعليمي. وحقاً فإن للدكتور ياسين سعيد نعمان، وكتلة الاشتراكي، والناصري، والمستقلين دوراً مشهوداً في توحيد مناهج التعليم.

لقد مثل إلغاء المعاهد العلمية ضربةً قويةً للعربية السعودية، التي فرضت المنهج التعليمي منذ اتفاقية المصالحة 1970، وكرست هيمنة الإسلام السياسي على التربية التعليم والأوقاف، والتوجيه السياسي في الجيش والأمن.

أقصت الحرب ضد الجنوب في 94 الجنوب، وجرى خلال فترة الوحدة 90-94 اغتيال أكثر من مائة وخمسين من كوادر الاشتراكي. فقد جرت محاولة لاغتيال الدكتور ياسين سعيد نعمان بقصف منزله بالصواريخ، وكان حينها رئيساً لمجلس النواب، كما جرت محاولة اغتيال د.عبدالواسع سلام وزير العدل، أما «مقبل» فقد تعرض لأكثر من محاولة اغتيال؛ أبرزها في أبين بواسطة طارق الفضلي، أحد قيادات القاعدة، ونسيب قائد الفرقة الأولى مدرع علي محسن الأحمر.

لقد كانت حرب 94 أم الكوارث كلها؛ فقد دمرت تجربة الجنوب، وأنهت مشاركته، ووضعته تحت احتلال مباشر لقوات صالح، والإصلاح، والقاعدة، وأنصار الشريعة.
في حمى الحرب هُوجِمَ منزل علي صالح عباد، وفُتش تفتيشاً قاسياً، وحوصر البيت بالأطقم العسكرية، ولم تشفع له عضويته في النواب.

حدث ضغط داخلي وخارجي للإبقاء على التعددية والهامش الديمقراطي؛ فكانت بداية الانفراجة.
دعا صالح عددا من السياسين إلى منزله في شارع صخر، فحضر مقبل، ومحمد غالب، ومحمد حيدرة مسدوس، وفضل محسن، وعبدالغني عبد القادر، والمرادي، وجلهم أعضاء في المكتب السياسي».. تحدث صالح، «وبراءة الأطفال في رجليه»، عن فتح صفحة جديدة، وعن تصالح وتسامح، رد عليه مقبل: «إن الأهم إطلاق المعتقلين السياسيين، وعودة ممتلكات الحزب، وإعادة المقرات المنهوبة، وتطبيع الحياة السياسية، وإيقاف الملاحقات والمحاكمات لقيادات وأعضاء الحزب، وعودة الصحف الحزبية المصادرة».

عُقد المؤتمر العام للحزب، فانتخب «مقبل» أميناً عاماً، وتصدى في ذلك الوقت لأكثر الحملات ضراوةً وتوحشاً ضد الحزب، وبالأخص من الأجهزة الأمنية، وبعض قيادات التجمع اليمني للإصلاح ومنابره الإعلامية.
استمرت الإجراءات القمعية والمصادرة ضد الحزب، وكان مقبل يذهب بنفسه لزيارة المعتقلين، ويدافع عنهم، ويحضر أحياناً المحاكمات.

قيل عنه
يقول السياسي ونقيب الصحفيين اليمنيين الأسبق، عبدالباري طاهر: «مقبل عَلم من أعلام الكفاح الوطني وحرب التحرير الشعبية ضد المستعمر البريطاني. هذا المناضل العتيد كان بطلاً من أبطال حرب التحرير، ورمزاً من رموزها.. منذ بداية الكفاح المسلح ضد بريطانيا، كان مقبل في قلب الثورة. أسرة مقبل من الأسر الكبيرة ذات الأملاك الشاسعة.. لعب مقبل دوراً كبيراً في مصادرة الملكيات الكبيرة لصالح الثورة، ووقف إلى جانب الزعيم الوطني علي سالم ربيع «سالمين» كأمين مساعد مع المناضل الرمز الثقافي والإبداعي عبدالفتاح إسماعيل».

ويضيف: «في الصراع الكالح الذي دار، وفي مواقف كثيرة سجل عباد مواقف رائعة في حماية العديد من رفاقه وآخرين في حُمَّى التصفيات».
يُذكر أن عمر الجاوي تعرض للاعتقال، ربما كان ذلك في منتصف السبعينات، وعندما عرف مقبل تحرك لمكتب المسئول الأمني، ولم يخرج إلا ومعه الجاوي.. في ذلك الوقت كانت الاعتقالات -أحياناً- تنتهي بالتصفية. بعد استشهاد «سالمين» جرت اعتقالات للقيادات القريبة منه، وطالت التصفية العديد منهم، وكان نصيب «مقبل» الاعتقال، ولكنه كان اعتقالاً أقسى بكثير من الإعدام، اعتقل في زنزانة بلاؤها أقسى من كل أشكال التعذيب. سرد لنا - نحن رفاقَهُ: قادري أحمد حيدر، ود.يحيى صالح، وعبدالعزيز الزارقة - عن أوضاع الزنزانة المهين للكرامة الإنسانية».

وتابع طاهر: «المهم أن عباد خرج من الزنزانة قبيل كارثة 13 يناير 86 مع آخرين من رفاق سالمين كالفقيد الكبير عبدالله صالح البار، وسالم باجميل، وحسن باعوم.. وغيرهم. في الشمال، وضمن جماعة علي ناصر محمد، احتفظ الرجل بتاريخه الوطني، ومواقفه اليسارية، ولم ينخرط في اللعب التي كان يجيدها بمهارة علي عبدالله صالح؛ لإيقاع الآخرين في شباكها. التقيتهُ بعد الوحدة في مكتب محمد سعيد عبدالله. كان -رعاه الله- في كامل اللياقة.. تحدثنا معاً، وتواعدنا على التلاقي».

وأضاف: «ظل مقبل محتفظاً بكبريائه، لم تنل منه الزنزانة والتنكيل والتهميش من قِبل حركة ثورية، وحزب سياسي، أسهم بنصيب وافر في بنائه منذ اللبنات الأولى، كان مقبل الذراع اليمنى للزعيم الوطني سالم ربيع علي، خرج من دولة حزبٍ ساهم في وصوله إلى السلطة، ليجد نفسه في الزنزانة».

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى