الغزل في شعر العلماء

«الأيام» عن «مجلة الأدب»

 من أفاضل الشعراء الذي نظموا في الغزل بدون تحرج، وهم على قدر كبير من الفضل والعلم والشرف الشاعر الكبير أبو الحسن محمد بن الحسين المعروف باسم: الشريف الرضي الذي ينتهي نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد كان معروفاً بالعلم والورع والتقوى إلى جانب شهرته شاعراً كبيراً ومفسراً وفقيهاً وكاتباً بليغاً.
ومن شعره الغزلي هذه المقطوعة الجميلة التي حفظناها على مقاعد الدراسة:

يا ظبية البان ترعى في خمائله
ليهنك اليوم أن القلب مرعاكِ
الماء عندك مبذول لشاربه
وليس يرويك إلا مدمعي الباكي
هبت لنا من رياح الغور رائحة
عند الرقاد عرفناها برياك
سهم أصاب وراميه بذي سلم
من بالعراق، لقد أبعدت مرماك
أنت النعيم لقلبي والعذاب له
فما أمرك في قلبي وأحلاك

وله أشعار غزلية كثيرة؛ منها ما هو غاية في الرقة والعذوبة ودفق العاطفة، ومنها ما يثير الأشجان، ويحرك كوامن المواجع، ويحمل العيون على أن تذرف دموعها، انظر إلى هذه الصورة الشجية من شعره الباكي:

قال لي صاحبي غداة التقينا
نتشاكى حر القلوب الظماء
كنت خبرتني بأنك في الوجد
عقيدي وأن داءك دائي
ما ترى السَّفْرَ والتحمّلَ للبين
فماذا انتظارُنا للبكاء
لم يقلها حتى انثنيت لما بي
أتلقى دمعي بفضل ردائي

ويتميز شعر الشريف الرضي بالجزالة في اللفظ، والقوة في المعنى، والروعة في التصوير، فهو يكاد يرسم لك لوحة تراها بعينيك عندما تسمع شعره، كأنك ترى الصورة ماثلة بين يديك.
وقد رأيت الصورة التي عبر عنها البيت الأخير من الأبيات السابقة:

لم يقلها حتى انثنيت لما بي
أتلقى دمعي بفضل ردائي

فكأنك ترى الشريف الرضي أمام عينيك تنسكب دموعه غزيرة من عينيه فيتلقاها بردائه.
حتى عندما يتبع طريق القدامى من الشعراء الجاهليين في الوقوف على الأطلال والديار، فإنه لا يكتفي بمجرد التعبير التقليدي؛ وإنما يرسم لوحة معبرة متحركة يكاد من يقرأ الشعر أو يسمعه يراها أمام ناظريه.. استمع إليه يقول:

ولقد مررت على ديارهمُ
وطلولها بيد البلى نهْبُ
فوقفت حتى ضجَّ من لغَب
تضْوي ولجَّ بعذليَ الصَّحْبُ
وتلفتت عيني فمذ بعدت
عني الديار تلفت القلبُ

إن البلى يبدو في صورة شخص عات عابث، ينهب الطلول ويخربها، ويجردها من حسنها وجمالها، فتغدو خاوية، والشاعر يقف يتأمل الطلول، وما يفعل بها البلى، وحصانه يشتكي من التعب، ورِفاقه حوله يضجّون، ويطلبون معهم وهو يلتفت إلى الوراء، ويظل نظره معلقاً بالطلول لا يفارقها، حتى إذا بعدت عنه ولم يعد يراها بعينيه، التفت إليها قلبه وظل يرنو إليها.. لقد صور القلب وكأنه محب مفارقٌ ينظر إلى ديار أحبابه.

ومن الشعراء العلماء، شيخ الحجاز وعالمه، الشيخ العلامة محب الدين أبو جعفر حمد بن عبدالله بن حمد بن أبي بكر الطبري المكي الشافعي من علماء الشافعية وأتقيائهم.
ومن شعره:

ما لطرفي عن الجمال براح
ولقلبي به غُدَىً ورواح
كل معنى يلوح في كل حسٍّ
لي إليه تقلّب وارتياح
إلى أن يقول:
فبهمْ يعشق الجمالُ ويُهوى
ويشوق الحمى وتُهوى الملاحُ
وبهم يعذُبُ الغرامُ ويحلو
ويطيب الثناء والامتداحُ
لا تلم يا خليّ قلبيَ فيهم
ما على من هوى الملاحَ جُناحُ
ويح قلبي وويح طرفي إلى كم
يكتم الحب والهوى فضاحُ
صاحِ عرِّج على المضيق وسَلْعٍ
وقباب فيها الوجوه الصباحُ

وفي هذه الأبيات من نسمات الحجاز وملامحه ما لا يخفى على القارئ الفطن.. وحسبنا أن نشير إلى بعض الكلمات والتعبيرات الحجازية فكلمة (براح) كلمة حجازية ما تزال مستعملة حتى الآن وجملة (الهوى فضاح) عبارة يرددها أهل الحجاز.
ومن العلماء الشعراء: فخر الدين الشبياني عالم فاضل من علماء القرن الهجري السادس، ومن شعره:

كن كيف شئت فإنني بك مغرم
راض بما  فعل الهوى المتحكم
ولئن كتمت عن الوشاة صبابتي
بك فالجوانح بالهوى تتكلم
أشتاق من أهوى وأعلم أنني
أشتاق من هو في الفؤاد مخيّم
يا من يصد عن المحب تدللاً
وإذا بكى وجداً، غداً يتبسم
أسكنتك القلب الذي أحرقتَه
فحذار من نار به تتضرم
والبيت الأخير يذكرني ببيتين لا أذكر قائلهما وهما:
يا محرقاً بالنار جسم محبه
مهلاً فإن مدامعي تطفيه
أحرق بها جسدي وكل جوارحي
واحذر على قلبي فإنك فيه