هل نبدأ بالعربة أم بالحصان؟!

منصور الصبيحي

خاص للأصوات التي تظهر من وقتِِ إلى آخر تلوك وتطرطش الكلام هنا وهناك عن رؤية الدولة الجنوبية المستقبلية القادمة، ومدى التمسك بثوابتها وما اتفق عليهِ على هامش النضال السلمي لانطلاق الثورة الجنوبية ذاتها للزمن البائس وما رافق ذلك من عمل إعلامي مكثف يعمل على تطمين الجميع على ضرورة احترام حقوق الإنسان في التعبير والمشاركة في صنع القرار وعدم مركزية السلطة ومشاركة المرأة إلى جانب أخيها الرجل، وإلى ما لذلك من أهداف تمخضت عن ذلك النضال لكل المكونات بمختلفها حال التمكين من الدولة المنشودة. ولكن ما نسمعه ونقرأهُ ونشاهده من قبل بعض السياسيين الجنوبيين على خلفية بعض التكتلات وما ينطوي عليه ذلك من أهداف قصيرة النظر كونها  لا تعد محسوبيتها إلا من باب المناكفات السياسية وخلق روح الاختلاف بصورة غير محسوبة العواقب لما قد تؤول إليهِ الأمور لا سمح الله للعودة إلى أحضان نظام صنعاء من جديد.

 والسؤال الذي يطرح نفسهِ لأولئك: هل يعني أن في زمن نظام علي صالح وأعوانهِ المتجبر المتغطرس كان هناك دولة تحترم سيادة القانون والإنسان وتعمل وفق آلية محددة لصيانة مكتسبات الفرد والمجتمع في الحرية والمساواة والمشاركة في صنع القرار حتى نطالب بالحفاظ على تلك المكتسبات وعدم الإضرار بها حال تحقق الهدف المنشود في استعادة الدولة الجنوبية المغيبة؟ أم أننا نضع العربة قبل الحصان وكل نداءات من قبل أصحابها لا تحسب إلا من باب تعكير مزاج الشارع الجنوبي ووضع العراقيل في طريق كل من نوى أن يحمل الراية بغية ثنيهِ عنها إما حسدا على حملها ليتسنى له هو الانفراد بها لتحقيق مكسب الزعامة أو من باب عدم الإيمان بالمبادئ والأهداف ويعمل على خلق وتبني رؤية مخالفة لسياق الهدف ذاتهِ، وفق منظور مغاير ذي مساندة سرية لأطراف أخرى تعمل بكل الطرق والوسائل لوأد مشروع الشارع الجنوبي وإلى الأبد مع التخلص من كل روافدهِ من تمدًَهُ وتقويهُِ وتشد من عزيمتهِ.

والأولى بتلك الأصوات التي تعمل وتجنح في رسم صورة خلفية لها شعارها بخط عريض “الجنوب” وهي تكرس لترويج صورة داخلية نمطية أخرى مغايرة لخلفيتها الظاهرة للعيان أن تكف عن هذه الألاعيب، لأن الشارع الجنوبي أكثر وعيا ودروسا من الماضي همهُ الوحيد أولاََ هو انتزاع دولتهِ من فم المغتصبين وحمايتها من المتربصين قبل الشروع في التفاصيل، وثانيا العمل بكل السبل لقطع الطريق من العودة لحضن صنعاء.. صنعاء التي وصل الشارع الجنوبي إلى قناعة من عدم الجدوى لأي شراكة معها ويعمل بكل السبل لقطع دابر كل وريد يجمعهُ بها على أساس إيجاد صيغة تجنبه الوقوع في الخطأ من جديد. وأي واجهة ستكون عليها الدولة مقبولة لديه بصيغتها الأولى أولآ، لأن في الأخير الشعب هو من سيحدد معالمها وهو من سيعمل على تحديثها بالكيفيًَة التي ستمضي عليها، تجانسآَ مع المشروع العربي ونضالهِ الدؤوب نحو التحرر من هيمنة الفرد وتسلطه، على اعتبار أن ذلك المعترك لن يأتي من باب شعب يطمح ليوجد دولة في ظل وطن يقيم عليه ولا يتصرف فيه لمشروع حضاري يعمًَهُ من أقاليم حوله، فأي عقلِِ ذلك؟! بل سيأتي من باب دولة بنظام يطمح ليوجد شعبا يسانده ليتلقفها الجنوب يوما مع من تلقًَف حال إن قدّر له أن يوجد جنوبا، وهو عين العقل.
وهكذا فكل ما يطرح ويقال لا يعد في الوقت الحالي إلا من باب التخويف للمناوئين سلبا ومن باب التطٌَمين من قبل أصحاب المحك إيجابا، وقد يحسب لكل على شاكلتهِ وغرضه، والتاريخ لا يرحم.. سينصف الجميع.​