الموسيقار أحمد قاسم في ذكرى (26 عاماً) على رحيله.. شريط الذكريات

بقلم الفنان/ عصام خليدي

يصادف يوم الإثنين، الموافق 1 أبريل 2019م، مرور (26عاماً) على رحيل الفنان الموسيقار العدني (الفذ) أحمد بن أحمد قاسم. وفي هذه المناسبة الاحتفالية أسمحوا لي أن أحكي للقراء الأفاضل قصة كنت أحد شخوصها، وكانت البطولة المطلقة تتجسد في عظمة حضور وسعة صدر فناننا المتألق بن قاسم
عصام خليدي
عصام خليدي
..
بدأت علاقتي بالموسيقار أحمد بن أحمد قاسم في عام (1980) بمعية باقة منتقاة من أهم الأدباء والمثقفين والشخصيات السياسية والاجتماعية، جلست مبهوراً، مأخوذاً، مذهولاً، في حضرته الفنية والموسوعة الموسيقية، وإلى جانبي يقف أستاذي الإعلامي القدير المخضرم جميل مهدي، الذي نظّم ونسّق وهيّأ لهذا الحُلم (اللقاء الفني).

أتذكر جيداً قلقي وخوفي وتحفظي في تلك الفترة من الإبحار في عالم الفن، وأعترف بملء الفم، أن الفضل، بعد الله سبحانه وتعالى، في إقناعي ودخولي عالم الغناء حدث بتشجيع الأستاذين الرائعين جميل مهدي والفنان العظيم (الإنسان) محمد عبده زيدي، وإصرارهما ورغبتهما في الخوض بما لم أخطط له، ولم يكن في اختياري وحساباتي بأن أكون فناناً، وبالفعل تم اللقاء المرتقب مع الموسيقار الكبير أحمد قاسم (وجهاً لوجه) وصديقي الطيب الإعلامي الكبير جميل مهدي إلى جواري، يشجعني ويؤنسني بإطرائه على موهبتي أمام كل الحضور، وبالتحديد كان حديثه مباشرة للفنان الكبير أحمد قاسم الذي استمع إليه بإصغاء وبهدوء، وبدا واضحاً وجلياً من خلال حديثهما مكانة وأهمية الصداقة والعلاقة المتميزة والحميمة التي تجمع بينهما في تلك الفترة، واتسمت بمشاعر المحبة والتقدير بين القامتين (بن قاسم) و(جميل مهدي)، وفي الواقع أسعدني كثيراً تقديم الأستاذ الإعلامي المخضرم جميل مهدي، للشاب الواعد عصام خليدي، حينها كان مشروع فنان.

كان حديثه في غاية الحماس والقناعة بموهبتي وقدراتي الفنية، أتذكر ما صرّح به في ذلك اللقاء، كلمات لا يمكن نسيانها ما حييت، كقوله، مخاطباً الموسيقار أحمد قاسم والحضور النخبوي: هذا الفتى "غض الإهاب" يحفظ عن ظهر قلب، ويغني بمهارة واقتدار جُل ومعظم أغاني الشرق العربي، يهوى ويعشق رواد الغناء وأساطينه: الموسيقار محمد عبدالوهاب، فريد الأطرش، أم كلثوم، ليلى مراد، كارم محمود، محمد فوزي، محمد قنديل، صالح عبدالحي، عبدالعزيز محمود، عبدالغني السيد، سيد درويش، سلامة حجازي.. وآخرين.
أحمد قاسم مع فريد الأطرش
أحمد قاسم مع فريد الأطرش

لم يصدّق موسيقارنا الكبير بن قاسم، ديباجة ومقدمة الإعلامي القدير والمتألق أجاب على الفور: هذا غير معقول، يا أستاذ جميل مهدي، كيف يمكن أن يكون شاب بمثل سنه الصغير يستطيع التعامل والتعاطي مع كل هذه المدارس الغنائية الكبيرة والعملاقة، بتراثها وثرائها النغمي وبخصوصيتها ومزاياها الغنائية الموسيقية بارزة المعالم في الغناء العربي بشكل عام؟! صمت قليلاً ثم وجّه سؤالاً محدداً مفاده: ماذا تحفظ من أغنيات الموسيقار محمد عبدالوهاب يا عصام لأصاحبك في العزف على آلة العود؟ في واقع الأمر، وبمنطق اليوم وبعد مضي هذه السنوات الطويلة كان ردي مفاجأة كبرى. قلت له ببراءة وعفوية، والجميع يستمع إلينا: بإمكانك يا أستاذ أحمد أن تعزف أي لحن أو أغنية للموسيقار محمد عبدالوهاب، وستجدني أشاركك وأرافقك الغناء بصوتي، أينما شئت وأحببت. وهنا رد ضاحكاً (بن قاسم) رحمه الله، بطريقته المعروفة المحببة لكل عشاقه: "أدركني.. الحقني يا أستاذ جميل، تلميذك وصديقك الفنان الصغير شايف حاله، يقول هذا الكلام الخطير، الكبير..!".

ولكن جميل مهدي، بسرعة، ابتسم قائلاً: اختبره.. جربه.. فالتجربة خير برهان، وبالفعل أمسك الموسيقار أحمد قاسم عوده المشهور والمعروف بشكله الأنيق البديع، المشهود له بنغماته الساحرة والفاخرة والراقية طرباً وأصالة، وعزف على أوتاره بأنامله الذهبية الرقيقة المضيئة وهجاً متدفقاً، ينفثُ ويشعُ في النفس والروح إحساساً دافئاً بالفرحة والحياة، عزف أغنية للموسيقار محمد عبدالوهاب وكلمات الشاعر المصري الكبير أحمد فتحي عنوانها (الكرنك)، فشدوت بتلقائية بصوتي ونبراتي المعبرة الصادقة بفطرة وبراءة ربانية، على نغمات أوتار عوده المتأصلة الفذة المُجربة بأغنية الكرنك، متسلطناً بإجادة وبراعة وإتقان، في الكوبليهات التي اختارها متنقلاً بين مقاماتها ومقاطعها وجُملها الغنائية الموسيقية الخالدة. شدوت بكل أحاسيسي وجوارحي التي أمتلكها بالفطرة وهبة الخالق سبحانه وتعالى، فجاء صوتي إليهم، حسب قولهم، صافياً عذباً مؤثراً في هذه الأبيات الشعرية الفصحى المختارة من قصيدة "أغنية الكرنك".

طاف بالدنيا شعاع من خيالِ
حائراً يسأل عن سر الليالي
يا له من سرها الباقي و يا لي
لوعة الشادي ووهم الشاعر
حين ألقى الليل للنور وشاحه
وشكا الطل إلى الرمل جراحه
يا ترى هل سمع الفجر نواحه؟
بين أنغام النسيم العاطر
أين يا أطلال جندُ الغابر؟!
أين أمون وصوت الراهب؟
وصلاة الشمس وهمي طار بي
نشوة تزري بكرم العاصر
أنا هيمان ويطول هيامي
صور الماضي ورائي وأمامي
هي زهري وغنائي ومُدامي
وهي في حلمي جناح الطائر
في رياض نضر الله ثراها
وسقى من كرم النيل رباها
ومضى الفجرُ إليها فطواها
بين أفراح الضياء الغابر..

بعد ذلك لم يتوقف (ملك العُود) الموسيقار أحمد قاسم، استمر بعزفه الثري الباذخ المترع المترف بطاقات مليئة بالشجن والعاطفة الإنسانية اللامتناهية، ليأخذني مع عوده مصاحباً صوتي إلى أوبريت (بساط الريح)، وأغنية (اسأل الفجر والغروب)، وأغنية (يا فرحة المية بالحسن والخفة) للموسيقار فريد الأطرش، مردداً مقاطعها، ومشاركاً في الغناء بصوته الجهوري القوي المعبر المتفرد في ساحة الغناء اليمني والعربي، فسبِحنا وحلّقنا في سماوات الفن والطرب الأصيل مع أغنيات عمالقة الغناء العربي ومشاهيره.

سُجل هذا اللقاء (الحدث) بيني وبين الموسيقار العدني والعربي أحمد بن أحمد قاسم في مدينة عدن، على شريط كاسيت، مهره بتوقيعه فناننا المجدد والمطور في غنائه وبموسيقاه، المهموم باشتغالات فنية حديثة، وبناءات معمارية موسيقية لحنية راقية مترفة فاخرة، أرتقت بالغناء العدني واليمني والعربي المعاصر والحديث، مهره بإشادته وثنائه على صوتي، وما يختزله من إمكانات فنية وطاقات إبداعية رائعة، علّق وأشار إليها بهذه العبارة التي لا يمكن نسيانها: "إن عصاماً عندليب الغناء العدني الواعد القادم". وبطبيعة الحال أستمع إلى هذا الشريط الثمين والهام الذي بحوزتي، وأحتفظ به في مكتبتي الخاصة. العديد من الأحبة المقربين منهم: ملك الغزل الشعري محمد سعيد جرادة، رحمه الله، والشعراء الأدباء: الفقيد عبدالرحمن السقاف، ونجيب مقبل، وجميل ثابت، وعلي حيمد، والإعلامي والقاص محمد عمر بحاح، والإعلامي المخضرم الراحل عبدالقادر خضر، والمخرج التلفزيوني المتميز جميل علي عبيد، والأستاذ القدير علي محمد يحيى، والشخصية الاجتماعية أنور خان، وولدي (فنياً) نجوان شريف ناجي، وغيرهم من الزملاء والأصدقاء الأعزاء، الذين شاركوني، على مدى (ساعة كاملة)، الاستماع والاستمتاع لمختارات صوتية طربية مسموعة، وثَقَتْ ذلك اللقاء العظيم مع الموسيقار الكبير أحمد بن أحمد قاسم، وأيضاً الاطلاع على صفحات مهمة أعتز بها كثيراً في حياتي، تضمنت في محتوياتها وتفاصيلها الكثير من المفاهيم والقيم الفنية والأدبية والتاريخية، التي عَلِقتْ ورسخت بذاكرتي لتنعكس تجلياتها على صعيد الواقع الملموس في سلوكي الإنساني والفني، الذي تبلور منذ وقت مبكر بالوعي والإدراك لماهية دور الفن كوظيفة إنسانية سامية، تساهم في تغيير واقع المجتمعات نحو الأفضل. ومما لا شك فيه أن اللقاء بفنان بحجم أحمد قاسم، وتبعات ما سُجّل في الشريط النادر، الأثر البالغ في مكوّناتي الثقافية، الموسيقية، الإبداعية، وفي الاستفادة منه كمرجع أعود إليه، حُفِر ووُشِم بالروح وبالعقل والقلب.

خاطرة
توطدت العلاقة وتوالت اللقاءات، في الجلسات والزيارات الخاصة والعامة الفنية والإنسانية بالموسيقار أحمد بن أحمد قاسم، وبطبيعة الحال، كانت لا تخلو من المواقف الهامة فازداد رصيده الاستثنائي في قلبي ووجداني بالمشاعر والأحاسيس المختلفة، الممزوجة بالحب والمودة والإعجاب بشخصه وبفنه الراقي الخالد.

كلمة لابد منها
مضى 26 عاماً، ونحن نطالب ونستغيث ونناشد الجهات الرسمية والمختصة بضرورة أهمية النظر والالتفات إلى ما وصل إليه حال المبدعين من تدهور ومعاناة من الآلام المضنية الفتاكة المميتة، بسبب المرض والفقر وشدة وطأة وقسوة الإحباط والاكتئاب والإهمال والتغييب والتهميش..
كل هذه السنوات العجاف تمر وتمضي ولم نشهد ونحصد خلالها من الجهات المسئولة إلا الوعود العرقوبية البراقة الكاذبة، لم نرَ أو نسمع على السطح في عموم المشهد الثقافي الإبداعي بوادر حسن النوايا تجاه الأدباء والفنانين والشعراء والمثقفين. هم يصرون على بقائنا في أسفل قائمة أجندتهم السياسية ومشروعهم المدني الحضاري المزعوم، والكل منشغل في ترسيخ وتعميم ثقافة النهب والفيد.

نحن في زمن المصالح العظمى ومنطق الأقوياء صناع الموت، من يجيدون قراءة سيناريو المخرج الكبير، تحت الشعارات الرنانة والفضفاضة "العدالة، المساواة، وحقوق الإنسان".
نحن ندفع الثمن باهظاً في كل لحظة قهراً وحسرةً وكمداً في القلوب، ومرارة وعلقماً في الحناجر.. وإني لولا حقوق وواجب الصداقة والسنين التي جمعتني بغالبية الفنانين والمبدعين لكنتُ فضلت وآثرتُ الصمت والسكوت في (زمنٍ به الأحياء أموات).

رحم الله الموسيقار الفنان الكبير أحمد بن أحمد قاسم، الذي عاش خالداً في محراب (الفن) واستطاع أن يزرع ويصنع بداخلنا وقلوبنا وضمائرنا السعادة والمحبة والتسامح والأمل، في أبهى وأنصع وأروع صِوره وتجلياته الأخلاقية والإنسانية.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى