4 سيناريوهات محتملة لما بعد التصعيد الأمريكي الإيراني

مها علام

ترجع حالة التوتر المحمومة بين الولايات المتحدة وإيران إلى إعلان الرئيس "ترامب" انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، وإعادة فرض العقوبات، حيث هدد طهران بعواقب كبيرة إذا واصلت أنشطتها النووية، لكنه أبدى استعداده للتفاوض حول اتفاق جديد. ثم اتجهت الولايات المتحدة إلى مسار أكثر تصعيدًا حينما أعلنت في أبريل 2019 اعتبار الحرس الثوري الإيراني "منظمة إرهابية". فضلًا عن قرارها وقفَ الإعفاءات الخاصة بشراء النفط الإيراني التي كانت قد منحتها لثماني دول. حتى وصل الأمر إلى نشر قطع بحرية إستراتيجية، بينها حاملة الطائرات الأمريكية "إبراهام لينكولن"، وقوة من القاذفات في وضع الاستعداد للرد بـ "القوة الشديدة" على أي تهديد إيراني. وكانت إيران قد استبقت التحركات الأمريكية بتصعيد شديد اللهجة، حيث هددت مجددًا بإغلاق مضيق هرمز.

فرص إغلاق مضيق هرمز
دائمًا ما تُصدر إيران كلما واجهت ضغوطًا أو عقوبات تصريحًا شديد اللهجة بعزمها إغلاق مضيق هرمز، إلا أنه منذ اندلاع الثورة وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران، لم تُقدم إيران على هذه الخطوة حتى في أحلك الظروف، وذلك على الرغم من القوة والخبرة التي تتمتع بها البحرية الإيرانية. وتكمن الأسباب وراء ذلك فيما يلي:
- أن خبرة وقوة البحرية الإيرانية لن تضاهي حجم وقوة البحرية الأمريكية (الأسطول الخامس الأمريكي).

- يُعتبر مضيق هرمز هو المتنفس الأساسي لإيران، وبالتالي ففي حالة إغلاقه سيصل الاقتصاد الإيراني إلى حالة من "الخنق التام".

- لن تكون هذه الخطوة مجرد تصعيد في وجه الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج، وإنما ستكون خطوة عدائية ضد العالم كله، وذلك لكون المضيق منفذًا حيويًّا. ومن ثمّ ستُعادي إيران بهذه الخطوة دولًا كانت تجمعها بإيران علاقات جيدة.
لكن سيطفو إغلاق مضيق هرمز كخيار قابل للتنفيذ إلى السطح في حال نفّذت الولايات المتحدة خطوة "تصفير" صادرات النفط الإيرانية التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني بنسبة تتجاوز 70 %. وفي هذه الحالة، لن تخشى إيران من الخسارة، لأنها ستكون بالفعل خسرت كل شيء.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كروت الضغط التي تمتلكها إيران على أرض الواقع، والتي قد تستند إليها في مواجهة الضغوط الأمريكية. ومن بين أبرز هذه الكروت:
- القيام بعملية منتظمة من المضايقات للسفن التي تمر عبر المضيق، الأمر الذي قد يُسفر عن تجدد سيناريو مشابه لـ "حرب الناقلات" التي وقعت أثناء حرب الخليج الأولى بطريقة تؤدي إلى تراجع عدد السفن المارة، وزيادة أسعار البترول.
- شن هجمات سيبرانية متكررة على المؤسسات النفطية بدول الخليج العربي.

- دعم وتمويل هجمات إرهابية في الدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.
- استخدام وكلائها في شن هجمات والدفع بهم لزعزعة استقرار المنطقة (الصواريخ الباليستية، الطائرات بدون طيار).

السيناريوهات المحتملة
اختلفت الرؤى والتحليلات حول مستقبل التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أنه يمكن إجمال المشهد في أربعة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول/ استمرار التصعيد اللفظي
يستند هذا السيناريو إلى استمرار الولايات المتحدة في استخدام الخطاب المعادي لإيران لثلاثة أسباب؛ الأول: كسب الرأي العام الأمريكي من خلال الظهور بمظهر الطرف الأقوى والمعارض لإيران باعتبارها دولة مارقة تمثل تهديدًا للعالم. الثاني: تعزيز الإحساس بعدم الاستقرار في الخليج من أجل الحصول على المزيد من المكاسب والامتيازات المالية والدفاعية. الثالث: زيادة إدراك دول الخليج أهمية الولايات المتحدة في حماية الأمن القومي الخليجي، ومن أجل تحجيم أي اتجاه لتطوير العلاقات الخليجية مع روسيا والصين. ويستند هذا السيناريو إلى أن الولايات المتحدة لن تُقدم على المبادرة بشن ضربة عسكرية، كما أنها لن تقوم أو لن تستطيع تنفيذ العقوبات على إيران بالقدر الذي تصل فيه الصادرات الإيرانية إلى الصفر. ويستند هذا الطرح إلى دور الأطراف الدولية والإقليمية الأخرى التي لا تقبل بشكل كامل أو جزئي ما تطرحه الولايات المتحدة كالاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين، والهند، وتركيا. أما عن إيران، فقد تلتزم بالاستمرار في التصعيد اللفظي نظرًا لأن النظام يستند في جزء من شرعيته إلى هذا الخطاب. وبشكل عام، فإن السياسة الإيرانية في التعامل مع مثل هذا الأمر تبدأ بالإعلان عن عدم جدوى العقوبات، وأنها غير مؤثرة، ثم تتجه بعد ذلك إلى التصعيد اللفظي والتهديدات، ثم تتجه إلى الدعوة إلى الحوار والتفاوض. وبشكل عام، تدرك إيران جيدًا أن وقوع مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة لن يكون في مصلحتها، وستكون ذات آثار بالغة الخطورة عليها. والدليل على ذلك أنه في أعقاب الانسحاب الأمريكي من "الصفقة النووية" استمرت إيران في الالتزام بها.

السيناريو الثاني/ رضوخ إيران
يستند هذا السيناريو إلى استمرار الولايات المتحدة في الضغط على إيران إلى الحد الذي يدفع النظام الإيراني إلى الاستجابة للمطالب الأمريكية. وينطلق هذا السيناريو من فكرة أساسية مفادها أن الأطراف الأخرى التي تُعوّل عليها إيران في مواجهة الولايات المتحدة لن تقف بالضرورة معها ولن تدعمها. فبينما يبدو الاتحاد الأوروبي داعمًا للصفقة النووية، وغير راضٍ بالضرورة عن التحركات الأمريكية؛ إلا أنه غير راضٍ أيضًا عن السياسة الإيرانية، ولديه كذلك تخوف عميق من تطوير الصواريخ الباليستية. أما الصين، وعلى الرغم من دعمها لإيران في مواجهة الولايات المتحدة، استنادًا إلى أن إيران مصدر رئيسي للنفط الصيني، ومحطة مهمة في مبادرة الحزام والطريق؛ إلا أن الصين قد تتجه إلى خفض استهلاكها من النفط الإيراني استنادًا إلى وجود مشاورات تجارية بين الصين والولايات المتحدة، بجانب وجود بدائل متعددة أمام الصين في استيراد النفط وعلى رأسها دول الخليج التي تجمعها بالصين علاقات طيبة. أما روسيا، فقد ترى أن خروج إيران من سوق النفط قد يزيد من عوائدها، بجانب وجود بعض الخلافات بينها وبين إيران في سوريا. كذلك فإن تركيا التي كانت دومًا القناة التي تستطيع إيران من خلالها الالتفاف حول العقوبات، انتهجت هي الأخرى بين حين وآخر سياسة خفض النفط الإيراني خوفًا من العقوبات، كما أن الظروف هذه المرة تبدو مهيأة أكثر خصوصًا مع دخول الكويت سوق النفط التركي في 2016، وتردي الأوضاع الاقتصادية في تركيا بطريقة تجعلها غير قادرة على تحمل مزيد من العقوبات.

السيناريو الثالث/ سقوط النظام الإيراني
ينطلق هذا السيناريو من أن الوضع الاقتصادي في إيران في حالة متردية بطريقة تدفع في اتجاه تجدد الاحتجاجات الشعبية بين حين وآخر. ومن ثم، فإن مزيدًا من تضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني سيساهم في مزيد من الحنق والرفض الشعبي للنظام الذي ساهم في الوصول بالأوضاع إلى هذا الحال، وبالأخص مع تراجع حالة الزخم الثوري، خصوصًا بين صفوف الشباب.

وتشير بعض التحليلات الأمريكية إلى أن الهدف الأمريكي خلف التصعيد الأخير هو إسقاط النظام الإيراني حتى يصعد نظام أكثر اعتدالًا ومرونة. وتظل فرص هذا السيناريو محدودة لأنه يعتمد على تخلي كافة الأطراف الدولية والإقليمية عن إيران وكذا وكلائها في المنطقة. كما يعتمد على عنصر الشعب الذي يصعب التحقق من ردود فعله، حيث إنه وعلى عكس المتوقع، قد تدفع كل هذه الأمور إلى مزيد من توحيد الجبهة الداخلية في إيران استنادًا إلى وجود مؤامرة خارجية، وقد يستجيب الشعب إلى دعوة المرشد الأعلى بتبني إستراتيجية "الاقتصاد المقاوم". بمعنى آخر، قد تدفع هذه التطورات إلى زيادة شعبية النظام وجعله أكثر قوة، بجانب تراجع دور وتأثير الإصلاحيين في مقابل تزايد دور المحافظين.

السيناريو الرابع/ التصعيد العسكري
ينطلق هذا السيناريو من فكرة أن التحركات المتهورة والمندفعة حتى ولو كانت صغيرة قد ينجم عنها إطلاق شرارة الحرب، حيث إن التحركات والتحركات المضادة من الطرفين قد ينجم عنها البدء في صراع عسكري دون تحديد واضح لنقطة البداية. ويستند هذا السيناريو إلى أن كل طرف اتجه نحو التصعيد لإرغام الطرف الآخر على الاستجابة، وبالتالي سيخشى التراجع حتى لا يظهر بمظهر الطرف الأضعف. التصعيد العسكري في هذه الحالة قد يكون مباشرًا بين الطرفين الأساسيين، وقد يكون بالوكالة من خلال استخدام الولايات المتحدة لحلفائها في الخليج، واستخدام إيران لوكلائها في المنطقة. ومن بين أشكال التصعيد العسكري، قرار إيران إغلاق مضيق هرمز بعد تردي أوضاعها بفعل "تصفير" النفط الإيراني، الأمر الذي قد يدفع الولايات المتحدة إلى توجيه ضربة عسكرية ضد إيران. ورغم أن فرص هذا السيناريو محدودة، إلا أنه لا يمكن استبعاده. وفي حال اندلعت مواجهة عسكرية ستكون كل الأطراف خاسرة، وستكون العواقب وخيمة على الجميع.

وختامًا، يبدو أن السيناريو الأقرب للواقع هو السيناريو الثاني، استنادًا إلى أن كل طرف يريد تحقيق أهدافه ولكن دون مجازفة، انطلاقًا من أن التصعيد سيؤدي إلى خسارة الجميع، والدخول في موجة جديدة من العنف ستكون طويلة الأمد وأشد وطأة.
"المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية"​