يوم النكبة

وهيب الحاجب
وهيب الحاجب
لم يعد من الوحدة الطوعية بين دولتي الجنوب والشمال سوى الذكريات بحلوها القليل ومرها الكثير، ولم يعد حلم ذلك المشروع القومي الذي انطلق من الجنوب سوى نموذج سيء، بعد أن شوهته أيادي الغدر القادمة من الشمال على فوهات المدافع والدبابات، فبات كابوساً داخل وجدان كل جنوبي، وفي شعور كثير من البسطاء اليمنيين الذين حولت الوحدة، وما نتج عنها من حروب ومآسٍ، حياتهم إلى جحيم، فآثروا العودة إلى وضع ما قبلها.

اليوم الثاني والعشرين من مايو في الجنوب (من المهرة إلى باب المندب) هو يوم نكبة، يتجدد كل عام بمزيد من المآسي على مستوى المعيشة والوضع الإنساني، وحتى السياسي والعسكري، الذي يتأزم كنتيجة حتمية لمشروع الوحدة القسري، الذي يستميت أربابه وعرابوه بإبقاء الجنوب مرتعاً للفيد والغنية، وجعل إرادة شعبه مجرد هامش مسلوب القرار، منزوع الحق من المشاركة في صنع القرار ورسم معالم المستقبل السياسي، الذي بات ماركة مسجلة لقوى نافذة وأحزاب مستوردة إلى الجنوب، تحت عناوين الوحدة والقومية.

الوحدة مع الشمال لم تعد مقبولة جنوباً بأي صيغة من الصيغ التي يُروج لها في إطار الحلول السياسية والتسويات المعمول على إخراجها إلى الواقع، دون إرادة الشعبين في الجنوب والشمال، والشراكة مع الشمال لن تكون مقبولة ولا واقعية ومنطقية، ولن يكتب لها النجاح ما لم تكن بين دولتين مستقلتين ذات سيادتين، بواقع ما قبل العام 1990م على الأقل.

الوحدة التي يسعى إليها اليوم شعب الجنوب لن تتجاوز براميل الشريجة إلى مشاريع تعيد الجنوب مجدداً إلى هاوية قد يستحيل تجاوزها هذه المرة، فالأقلمة، والفدرلة، وكل أنواع الشراكة القاصرة التي تنتقص من إرادة الشعب وتتجاوز تضحيات الشهداء وتستهين بالنصر الذي حققته المقاومة بتحرير التراب الجنوبي، لا قبول لها وإن حاول الواهمون تسويقها وفرضها، وإن فرضوها فدرس الوحدة «المفروضة» ما زال باقياً، ونتائجه شاهدة، ولن تكون النتيجة إلا ذاتها ونفسها وعينها.
الوحدة التي ينشدها شعب الجنوب اليوم هي وحدة الصف والتئام قواه السياسية وإجماعها على ميثاق شرف لمشروع سياسي واحد، وتوجه وطني موحد يعيد الجنوب إلى واجهة الأحداث الإقليمية والعربية بقوة، كشريك أساسي في التحالف أولاً، وفي المشروع العربي بشكل عام ثانياً، لا تابعاً، ولا أداة حرب تُستخدم وقوداً لحماية من لا يحترم الجنوب ولا يتعرف بسيادته على أرضه، ولا يعير دماء الجنوبيين أي تقدير، ويستكثر أن يكون لها ثمناً سياسياً.. فالوحدة اليوم في أذهان الجنوبيين هي فقط وحدة الصف على درب تقرير المصير واستعادة الدولة كاملة السيادة.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى