اتفاق الرياض بين الاصطفاف خلف المشروع العربي والاصطفاف المناوئ له

محمد الجنيدي

يبدو أن اتفاق الرياض قد دخل مراحله الحاسمة التي ستضع حدا للازمة الناشئة منذ قرابة السنة وستحدد ملامح المرحلة القادمة وهوية المشاريع القائمة والأطراف اللاعبة فيه.
لم يعد اتفاق الرياض مجرد تسوية سياسية بين أطراف داخلية متنازعة في اليمن كما يصوره البعض، بل تعدى ذلك وتطورت فصوله وانكشفت خفاياه إلى أن أصبح محل نزاع إقليمي بين مشاريع ومحاور، وبات التدخل الخارجي الخارج عن المحيط والإطار العربي واضحا وضوح الشمس في ثناياه.

حاول إعلام الإخوان المسلمين ومحللوه السياسيون أن يصوروا أن معوقات التنفيذ تعود لخلافات داخلية بين أطراف النزاع الداخلي المصنفة بنظر تلك النخب بين حلفاء قطبي التحالف العربي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية وحول تقاسم النفوذ والحصص الوزارية والاختلاف على أسماء المرشحين لشغل المواقع المحددة في اتفاق الرياض، وهذا وإن كان في ظاهره قد يبدو موجودا فهو في باطنه غير ذلك في حقيقة الأمر.

ولو أن اتفاق الرياض بفصوله وبنوده وشكله ومضمونه الذي تم صياغته من قبل الأشقاء في المملكة ليعالج الإشكاليات بين الأطراف المنضوية تحت مظلة التحالف ويوحد جهودها لمواجهة العدو المشترك أو المفترض أنه المشترك وهو الحوثي كان فعلا بين الأطراف المنضوية تحت مظلة هذا التحالف والواقفة خلف مشروعه العربي، لكان الأمر قد اختلف ولكانت الأطراف قد تجاوزت أي خلفات أو تباينات حتى يمضي الاتفاق، لكن جاء استحقاق تطبيق الاتفاق ليكشف المستور ويوضح حقيقة انتماء وولاء كل الأطراف وطبيعة مشاريعها.

لم تكن منظومة الشرعية واضحة وصادقة مع التحالف، وأدركت أن تطبيق اتفاق الرياض سيؤدي إلى منازعتها في السلطات المطلقة وسيفسح المجال لقوى جديدة حق الشراكة وتقاسم السلطة والقرار، واعتبرت حدوث ذلك خطرا يهدد ويقوض نفوذها، فشرعت بكافة الوسائل لوضع العراقيل والبحث عن مخارج لإنهاء الاتفاق وخلق واقع جديد يعيد لها حق التفرد والهيمنة بالقرار، تمكنت الشرعية من تأخير الاتفاق لكنها في الوقت ذاته كشفت عن عورتها وبينت تعدد تياراتها واختلاف ولائها وانتمائها، وبدأت تفضح نفسها دون تدرك.

ظلت الشرعية تصف المجلس الانتقالي وقواته العسكرية بالمدعوم إماراتيا، وهو فعلا مدعوم حيث لا يخفي الانتقالي ذلك ويعتبر علاقته بالأشقاء ضرورة ومصدر اعتزاز، توهمت الشرعية ومطابخها الإعلامية والسياسية أنها بهذا التوصيف ستنجح في شق عصا التحالف العربي وتجزأته بين مدعوم اماراتيا وأخر مدعوم سعودياً، غير أن ذلك لم يحصل، غادرت الإمارات الجنوب وحلت محلها المملكة السعودية، وكان لابد من الانتقالي أن يثبت صدقه مع الأشقاء في المملكة ويظهر حرصه على بناء علاقة متينة والاصطفاف خلف مشروعه العربي في مواجهة التدخلات الخارجية، وهو ما حصل فعلا.

الشرعية التي سعت لعرقلة الاتفاق وتنكرت له حاولت أن تبحث عن أوراق جديدة عبر فتح جبهات حرب جديدة وحشد قواتها ومليشياتها نحو أبين لكسر قوات الانتقالي ومن ثم الانقضاض على عدن، متصورة أن تحقيق ذلك سيمكنها من إملاء شروطها، لكن أوهامها تهاوت أمام بسالة وصمود القوات الجنوبية التي أفشلت هذا المخطط، هذا العدوان كان بمثابة امتحان للانتقالي، فبالرغم من كونه خرقا ونسفا للاتفاق إلا أن التحالف ظل صامتاً ولم يتدخل لفض الاشتباك ولم يلوح باستخدام القوة أمام من بدأ بشن الحرب، ومع هذا الموقف ظل الانتقالي ملتزماً بموقفه تجاه التحالف وأثبت صدقه ونال ثقة المملكة العربية السعودية.

فشل الشرعية في حربها في أبين جعل بعض أطراف الشرعية يجاهر بمواقفها تجاه المملكة واعتبرها البعض متواطئة مع المجلس الانتقالي رغم أن ذلك اتهام كيدي، تعالت الأصوات المناهضة للمملكة، وجاءت أحداث محافظة أرخبيل سقطرى التي تفاقمت فيها الاحتقانات نتيجة تصلف وسوء سياسة سلطة المحافظة الموالية لجماعة الإخوان المسلمين كما تنبهه أبناء الجزيرة لمخطط خطير كان يستهدف المحافظة ويسعى لاستجلاب عناصر إخوانية لتمكين نفوذ تركيا في الجزيرة للسيطرة على المياه الدولية من البحر المتوسط إلى البحر العربي، فما كان من أبناء الجزيرة من مخرج إلا أن يفرضوا إرادتهم ويعملوا على تصويب وضع محافظتهم ويعيدوها لمسارها الطبيعي ويعلنوا أنهاء مخططات تركيا وقطر ووقوفهم خلف المشروع العربي بقيادة المملكة العربية السعودية.

كشفت أحداث سقطرى الوجه الحقيقي للتيار المتستر خلف رداء الشرعية، وعلى الرغم أن سقطرى عادت لوضعها الطبيعي ولم تخرج عن إرادة أبنائها إلا أن هذا الموقف دفع أطراف الشرعية لتوجيه الاتهام للمملكة بالتواطؤ مع الانتقالي وذهب الكثير من قيادات الشرعية المتطرفة بوصف الانتقالي بالمدعوم سعودياً ونعت التحالف بالاحتلال وأفتى بوجب طرده وقتاله.

انكشاف حقيقة منظومة الشرعية المتعددة الولاءات والانتماءات وتنامي الخطاب الداعي لدعوة الأتراك بالتدخل في اليمن مع تعاظم الأطماع والتوسع التركي في المنطقة خاصة ليببا وسوريا وعدة دول عربية جعل المملكة جعل المملكة تستشعر خطورة هذا التيار داخل الشرعية على مشروعها العربي في مواجهة التدخلات الخارجية أكانت إيرانية أو التركية المستجدة التي تحاول استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية على أنقاض الدول العربية. ومن هنا استدركت المملكة المؤامرة الفخاخ الموضوعة من هذا التيار وكان لزاما عليها التحرك سريعا لإنهاء هذا الدور لهذا التيار من خلال الضغط لتطبيق اتفاق الرياض لتصويب الأمور وتصحيح مسارها، وهو ما تفعله الآن.

المملكة جادة هذه المرة في إلزام الأطراف بتطبيق الرياض، وهو إن تم فهو مصلحة عامة لها في المقام الأول وللأوضاع الداخلية المتأزمة من ناحية التدهور الاقتصادي والخدمي، ولذا فإن تطبيق الاتفاق هو ظالة الجميع عدا التيار المناوئ للتحالف العربي والذي يمثل الأطراف المتطرفة المنحازة في العلن وفي الخفاء خلف المشروع التوسعي التركي الإيراني القطري.

ولنجاح جهود المملكة ينبغي عليها أن تدرك مكامن الخلل والأطراف التي تضع العراقيل في طريقها، هناك أطراف معروفة تحاول أن تصور أن هناك خلافات بين المجلس الانتقالي وبين الرئيس هادي حول توزيع الحقائب الجنوبية وأسماء المرشحين، وهذا غير صحيح، فالمجلس الانتقالي يؤمن بالشراكة مع جميع الأطراف الجنوبية، شريطة أن تكون تلك الأطراف واضحة في مشروعها تجاه القضية الجنوبية وتجاه المشروع العربي الذي تتزعمه المملكة إلى جانب دولة مصر العربية والإمارات العربية ومسألة الخلافات غير واودة طالما والتفاهمات قائمة على هذا الأساس، فليس الانتقالي من يقف عند باب وزارات أو أسماء مرشحين بقدر حرصه على تحقيق مكسب وإنجاز ملموس لأبناء الجنوب وللقضية الجنوبية وبما لا يتعارض مع ثوابته الوطنية ومع مشروعه العروبي.

باعتقادي أن حقيقة العراقيل المفتعلة اليوم تكمن في نزاع الأطراف الشمالية حول نصيبها من حكومة المناصفة والـ 50 % المخصصة للشمال، فعلى الرغم أن اتفاق الرياض جاء ليعالج الوضع في المناطق الجنوبية بصورة بحتة إلا أنه أيضا يمهد الطريق في جزء معين لتصحيح الأوضاع شمالا من خلال إشراك القوى السياسية خاصة المؤتمر الشعبي العام الذي هُمش نتيجة انحيازه في بداية عاصفة الحزم إلى الرئيس صالح قبل أن يعود لصف التحالف العربي ليجد موقعه ونصيبه في الشراكة، والحكومة قد استأثرت بها منظومة الإخوان المسلمين التي اختطفت الشرعية لصالح مشاريعها دون أي رغبة في إيجاد اصطفاف سياسي وشراكة حقيقية تقوي الشرعية وتعزز من ثباتها في مواجهة التدخلات الخارجية، وبالتالي ينبغي للتحالف والمملكة بالذات وهي تمارس ضغطها لتطبيق اتفاق الرياض التمييز بين القوى الواقفة خلف مشروعها العربي الراغبة في استقرار الجبهة الداخلية وبين القوى الممارية له في العلن والمناوئة له في السر والخفاء.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى