أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:44 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • هل الإعلام يصنع الاقتصاد.. أم الاقتصاد يصنع الإعلام؟

    د. جلال حاتم




    حين تتصدر أخبار ارتفاع الأسعار الشاشات، قد يسارع المستهلكون إلى الشراء، فيزداد الطلب وترتفع الأسعار أكثر. وحين تتكرر رسائل الطمأنة بشأن قطاع اقتصادي متعثر، قد يستعيد بعض المستثمرين ثقتهم، أو تتسع خسائرهم إذا كانت الطمأنة بلا أساس. هنا يتجاوز الإعلام وظيفة نقل الحدث إلى المشاركة في تشكيله. لكن المؤسسات الإعلامية نفسها تعمل داخل اقتصاد يحدد مواردها، ويؤثر في أولوياتها، ويرسم حدود قدرتها على الاستقلال. فمن يصنع مَن؟

    يبدأ الجواب من إدراك أن الاقتصاد يتحرك بالموارد والإنتاج، وكذلك بالمعلومات والتوقعات. فقرار شراء منزل، أو تأسيس مشروع، أو تأجيل استثمار، يتأثر بما يتوقعه الناس عن الغد. والإعلام أحد المصادر التي تتكون عبرها هذه التوقعات؛ إذ يختار الوقائع، ويرتب أهميتها، ويشرح دلالاتها، ويمنح بعضها حضورًا واسعًا، بينما يترك غيرها في الظل.

    بهذا المعنى، يستطيع الإعلام أن يسهم في صناعة الاقتصاد حين يقلل الغموض، ويكشف الفرص، ويشرح المخاطر، ويخضع القرارات العامة للنقاش. والتحقيق الذي يكشف خللًا في سوق، أو التقرير الذي يوضح حقوق المستهلك، يؤدي وظيفة اقتصادية تتجاوز قيمته الخبرية. فالمعلومة الدقيقة تساعد على تحسين الاختيار، والمساءلة ترفع كلفة الفساد، والشرح الجيد يوسع المشاركة الواعية في النشاط الاقتصادي.

    غير أن التأثير قد يسير في اتجاه معاكس. فعندما تتحول التغطية إلى تهويل، أو تختلط الأخبار بالإعلانات، أو تُقدَّم التوقعات باعتبارها حقائق محسومة، يصبح الإعلام مصدرًا لتشويه القرار. وقد تصنع العناوين المبالغ فيها موجة شراء لا تبررها الأساسيات، أو تدفع إلى ذعر يفاقم أزمة قائمة. ومع ذلك، لا تستطيع التغطية المتفائلة أن تعوض طويلًا ضعف الإنتاجية أو اختلال السياسات؛ إذ تختبر الوقائع صدقية الرواية في النهاية.

    وفي الجهة الأخرى، يصنع الاقتصاد ملامح الإعلام من خلال الملكية والتمويل والإعلان وأجور العاملين وتكلفة الوصول إلى الجمهور. فالمؤسسة التي تعتمد على عدد محدود من المعلنين قد تواجه ضغطًا عند تغطية مصالحهم. والمؤسسة التي تكافئ صحفييها على عدد المشاهدات قد تمنح الإثارة أولوية على التفسير. وهكذا تدخل الحوافز الاقتصادية إلى غرفة الأخبار، وتؤثر في تعريف ما يستحق النشر.

    وقد عمّقت المنصات الرقمية هذا التشابك. فاهتمام الجمهور مورد يُباع للمعلنين، والخوارزميات تؤثر في توزيع الظهور، وصانع المحتوى قد يجمع بين الإخبار والتسويق وبيع المنتجات. لذلك تصبح معرفة مصدر الرسالة ومصلحة منتجها جزءًا من فهم مضمونها، ويغدو الإفصاح عن الإعلان وتضارب المصالح شرطًا لحماية الثقة.

    والسؤال الأجدى عربيًا هو: كيف نبني علاقة تجعل الإعلام رافعة للفهم الاقتصادي، وتجعل الاقتصاد سندًا لإعلام مهني؟ يبدأ ذلك بإتاحة البيانات، وتنمية الصحافة الاقتصادية المتخصصة، وتنويع مصادر التمويل، وترسيخ الفصل التحريري بين الإعلان والخبر. ويحتاج أيضًا إلى جمهور يمتلك أدوات التمييز بين التحليل والترويج، وبين المؤشر الاقتصادي والانطباع العابر.

    الإعلام يؤثر في الاقتصاد، والاقتصاد يشكّل شروط عمل الإعلام، لكن هذه العلاقة ليست قدرًا مغلقًا؛ إذ يمكن تنظيمها بما يخدم المجتمع. والاختبار الحقيقي هو قدرة الإعلام على تفسير واقع الناس ومساءلة من يصنع قراراته، وقدرة الاقتصاد على دعم معرفة عامة موثوقة. فالثقة التي تحتاجها الأسواق تبدأ بمعلومة تستحق التصديق.

المزيد من مقالات (د. جلال حاتم)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال