صحيفة الأيام - أكثر من 50 سنة انشغلنا فيها ببعضنا على حساب وطننا

أكثر من 50 سنة انشغلنا فيها ببعضنا على حساب وطننا

جمال مسعود

جمال مسعود
لازلنا وبعد اكثر من خمسة عقود مضت ونحن في مشاريع إعادة التشغيل ولازالت جهودنا محصورة في ترميم الموجود أو تغيير لونه أو شكله، ونظرتنا للحياة لا تتعدى المحيط الاجتماعي والسياسي المرتبطون به والمكان الذي نحن قابعون فيه، ضيق الأفق وحساسية مفرطة من التجديد والتغيير والتطوير وتخوف كبير من النشاط والحيوية والإبداع الفكري للشباب وأصحاب وجهات النظر المتطلعين للمستقبل و المتحررين من قيود الارتباط بذكريات الماضي الذي نستجره سنوات من أعمارنا حتى أصبنا بالتبلد والجمود، فقل عطاؤنا ولم نحدث أي تغيير أو انجاز في حاضرنا المؤلم  فلازلنا نعالج اخطاء الماضي ونصحح المسار، كما إننا لازلنا نرمم الشوارع ونعبد الطرق الرئيسية والفرعية ولازلنا نغير لون أحجار الرصف من الأسود والأبيض الى الأسود والأصفر ونغير لون ابواب المحلات التجارية وسمك أنابيب المجاري ونوعية شبكة المياه من الحديد بالبلاستيك وأسلاك الكهرباء هوائية ام أرضية وأعمدة الإنارة خشبية ام حديدية وشكل الجزر بين الشارعين دائري أو مستطيل، وتغيير أسماء الشوارع والمدارس القديمة، ولازالت المرافق الصحية والسياحية والرياضية والثقافية والمراكز التجارية والمؤسسات التعليمية كما هي أكثر من 50 سنة مضت ولازلنا نجهل ماذا نريد؟ وماذا نصنع؟

غريب جدا منطق العيش بذكريات الماضي والانشغال بها والغرق في أحلام اليقظة بالمستقبل المشرق وكأننا عجزة ومكاسير غارقين بالجهل والتخلًف وعندنا الجامعات والأكاديميين والمفكرين والمبدعين ورواد التخطيط والتنمية وبناء القدرات وأصحاب الكفاءات في كل زمان ومكان ماذا ينقصنا؟ لماذا تجمدنا خمسين سنة ووقف التاريخ بنا في محطة الانطلاق وسافر الركب إلى كل مكان، برا وبحرا وجوا، غاصوا أعماق البحار وتعمقوا في أغوار الأرض وارتقوا الى فضاءات السماء، الحداثة والتجديد التقني والتكنولوجي تتلألأ كالنجوم في كل مواقع الاستكشاف في العالم حتى العمليات التجارية صارت رقمية والنقود الكترونية، وعندنا كل شيء مرتبط بالماضي.

 لقد تعلق زر replay في بلدنا وتوقف السير للأمام اكثر من 50 سنة ولم نفكر بعد في المستقبل كيف نصنعه لنعيشه حقيقة وليس خيالا.. استثمارات للدعم والمنح والهبات والتبرعات والموازنات تستنزف الوقت والجهد والطاقات والقدرات في مشاريع الإعادة replay الخمسة والتي لم تنته من انجازها بلدنا حتى اليوم وبعد أكثر من خمسين سنة لازلنا نبحث عن داعمين لتوفير الكهرباء والماء والطريق والصحة والتعليم.

 أسفاً علينا وتباً لنا جيل خمسين سنة مضت، أموات في وطننا لم نضع فيه بصمتنا ولم نسجل فيه إنجازا وحيدا يذكرنا به من خلفنا إلا الفشل الذي التصق بنا وصارت خمسون سنة من أعمارنا مفقودة إلا في انشغالنا بأنفسنا، وتقييم أداء بعضنا ضد بعض وعدم اشتغالنا بنهضة وطننا فبقينا رابضين في مشاريع الإعادة replay الاستنزافية.
 لقد فاتنا القطار وسافر القوم ووصلوا إلى وجهتهم وحطوا رحالهم وبنوا أوطانهم وعاشوا خمسين عاما من التجديد والتطوير والنهضة ونحن باقون في محطة القطار لازلنا نرقع ما تمزق ونغسل ما اتسخ ونرمم ما تخرب ونبحث عن تصالح وتسامح حقيقي وعفو عام وعدالة انتقالية ومصالحة سياسية ومشاركة واسعة وحوار وطني وإنقاذ دولي ومشروع مارشالي بعد أكثر من خمسين سنة.