طفلة الأمس "قصة قصيرة"

نعيمة السماك

طفلة الأمس "قصة قصيرة"
طفلة الأمس "قصة قصيرة"
انتفضت واقفة! تركت الكمبيوتر دون إغلاق.
رحت أبحث بجنون عن فستاني السماوي ذي الورود الصغيرة الحمراء المنمنمة بكسرات في الذيل.

ارتديته كثيراً لم أملهُ يوما في تلك الطفولة الغابرة. لم أعثر على فستاني السماوي، في ظهر ذلك اليوم كنت أرتديه عندما مشيت خلف جنازة أحدهم، كان الرجال يرددون (لا إله إلا الله) والنساء يتبعهم في الخلف يولولن ويلطمن جيوبهن، كنت أسير برفقة ابنة عمي. بدوا كلهم مشغولين حتى أن أحداً من الكبار لم ينتبه لوجودنا وكنا نسير مع السائرين. على حين غرة توقف الجمع حملوا النعش إلى تلة مغطاة بالحجارة والحشائش، واصلنا السير خلف الجمع فإذا بأحدهم يدفعنا بعنف ويأمرنا بالابتعاد عن المكان.

شعرت بالغضب والحنق الشديد على ذلك الرجل. لماذا الكبار سيئون إلى هذا الحد فهم لا يحبون الأطفال؟! لماذا لا يريدوننا أن نبقى حيث نريد؟ ولماذا يدخلون هم فقط لهذا المكان؟
وقفنا في زاوية أسندنا ظهرنا إلى جدران أحد البيوت القريبة كنا نرقب المشهد من طرف بعيد، لا أرى إلا جمعاً متحلقاً ترى ماذا يفعلون؟ كنت أشعر بغضب بالغ لأنهم منعونا من الدخول. عندما كبرت قليلاً عرفت أن هذا المكان يسمى المقبرة وهو مخصص لإيداع الموتى.

يبدو أنني لن أجد فستاني العزيز؟ لعلي أعثر على الحذاء الأبيض! أرغب الآن في غمره ثانية بالسائل الأبيض وتلميعه، فلربما استعديت أيضاً للذهاب للمدرسة! كل الزوايا والأرفف خالية. لعلي أعثر على عقد (الخلال) المقضوم؟ كأني به ما زال طرياً طازجاً حتى الآن.
فاجأني حلول العصر فانكببت على دفاتري أحل الواجبات المدرسية كي أفلت من العقاب الرهيب!

لا فستان سماوي، ولا حذاء أبيض، ولا عقد خلال، ولا كراريس، ولا عرائس القماش الملون. ما الذي بقي من تلك الطفولة التي تلاحقني كل حين؟
أسندت وجهي إلى كفي أتأمل بحزن تقاسيم وجه تجاوز عقده الرابع بقليل.

كيف غادرتني الطفولة التي لم أغادرها؟! صفحات تعتليها الغضون وجسد تفترشه ترهلات الحزن والألم، تلاحقه الطفولة أينما حل.
أربعون! أين الحبل؟ أرغب في النط به في الباحة القريبة، الأراجيح المعلقة في أغصان الشجر لعلها لم تزل هناك حيث تركتها قبل أكثر من ثلاثة عقود.

أين عيون الماء المليئة (بالحلاسين)؟ علّني أتمكن من اصطيادها الآن بعد أن أصبح كفاي كبيرين وقبلا لم أفلح مرة في اصطيادها.
أربعون! أطفالي يمرحون حولي، لست سوى طفلة مثلهم! نداؤهم لي (بماما) يوقظني من غفلتي ويثير غيظني في آن.

طفولة مغايرة ومفارقة لطفولتي، لم تبصر أعينهم عيون الماء، لم يسرحوا في غابات النخل الباسقة؟ ولم يستمعوا (لحكايات) الجدة، لم يفترشوا المراقد القطنية المبللة بالندى في ليالي الصيف الحارة على السطح ولم يعدوا النجوم.
ثمة طفلة تلاحقني صبح مساء لا تكل لا تتعب، مرة لم أصدق أنني كبرت ولم أشعر بزحف السنوات وإن أوسمتني تجعيدة كل صباح. لم أعترف بالزمن (هذا الابتكار السخيف) وإن امتننت له بأنوثتي وأمومتي وإبداعي.

ثمة رغبة جارفة للنط بالحبل، والتأرجح في مراجيح حبل النخيل، وأرجحة (الحية بية) قبل قذفها للبحر.
لعلي لم أبرح بعد عامي السابع أو ربما العاشر بقيت هاهنا في المنطقة المحايدة بين الطفولة والمراهقة. بين حين وحين أهفو لعروساتي المصنوعة من القماش، وجريد النخل. أرسم خطوط السكينة وأنط كل حين أو أتأرجح في المرجوحة المعلقة في غصن سدرتنا.

لا تصدقوا! لم أبلغ الأربعين! وإن بحت لكم.
كل ما هناك أنني نسيت حل الواجبات المدرسية أو تناسيتها بعد أن عاد لي رشدي. أما عيون الماء فقد طُمرت فانقطعت عن محاولة صيد الحلاسين، والسدرة اجتثت فانقطعت عن التأرجح، النخلة يبست فلم أجد الخلال والحبنبو لأصنع العقد الأخضر.