غيّروا وجه التاريخ: يوري جاجارين.. أول رائد فضاء

إعداد/ د. ياسر عمر الهتاري

حلق فقط لمدة ساعتين وسيخلده التاريخ إلى الأبد

في قرية صغيرة في غرب روسيا يعيش فلاحان فقيران رزقا في تاريخ 9 مارس 1943 بطفل، عبر والده عن فرحته به بأن كان يقذفه عالياً في الهواء، لم يكن هذا الفلاح الفقير يعلم إلى أي حد سوف يقذف بولده في الهواء، لم يكن بخاطر أحد أنه ربما سيقذف بهذا الطفل الرضيع إلى أبعد من حدود العقل، إذا عرفنا بأن هذا الفلاح الفقير كان اسمه (جاجارين) فبالتأكيد لن يكون هذا الرضيع سوى (يوري)، إنه يوري جاجارين رائد الفضاء الأول في التاريخ.
الصاروخ فوستوك في حديقة متحف كالوجا في تيسكولوفسكي
الصاروخ فوستوك في حديقة متحف كالوجا في تيسكولوفسكي

اندلعت الحرب العالمية الثانية ويوري في السابعة من عمره، وفي 1942 احتلت القوات الألمانية قريته، نجا شقيقه الأصغر من محاولة شنق جندي ألماني له، أما شقيقته فأصيبت بجروح من ضربات منجل، يشهد يوري منظراً كان له أثر في مخيلته طوال حياته، لقد رأى طائرة سوفيتيه تتبع الجيش الأحمر تسقط قرب قريته ويشاهد كيف عمل الفلاحين على إنقاذ الطيار.
أراده والده أن يصبح نجاراً، أما هو فيريد أن يلتحق بمدرسة الجمباز، ربما لا زالت قذفات والده تشعره بالحنين للارتفاع واللعب عالياً، لكنه التحق أخيراً بمدرسة للتعليم المهني وتخصص في المعدات الزراعية، التحق بنادي لهواة الطيران وعند أول تحليق مع مدربه قرر يوري جاجارين أن يصبح طياراً، أعجب المدرب بقدراته في الطيران فأوصى به إلى مدرسة الطيران العسكرية.

بدأ الاتحاد السوفيتي حينها ببرنامج الفضاء الخاص به، وقرر المشرفين على البرنامج بأن يكون رجل الفضاء الأول من الطيارين المقاتلين، فهم أكثر قدرة على التكيف مع السرعات العالية والمناورات الخطرة والقفز بالمضلات إضافة إلى جرأتهم، وعلى عكس الأمريكيين الذين اتجهوا إلى كبار قادة المقاتلات اتجه الروس نحو الطيارين الشباب صغار السن، فمن 3000 مرشح تبقى 200 طيار ثم أصبحوا 20 طياراً، ثم بقي ثلاثة فقط أحدهم يوري جاجارين، ثم تقرر الاختيار على جاجارين كرائد الفضاء الأول في التاريخ، كان حينها طياراً حديثاً لم تتجاوز ساعات طيرانه 250 ساعة طيران ويطير على طائرة الميج 15، أحد الأطباء برر اختيار جاجارين بأنه ذات قدرات فكرية عالية وخيال متطور وردات فعل سريعة ومتميز في الرياضيات العليا وذا شخصية قوية ويدافع عن رأيه جيداً إذا أعتقد أنه محق، ويتقن الميكانيكا السماوية بشكل ممتاز، يحافظ على تركيزه تحت الضغط الشديد وقلة النوم وبشكل طبيعي تقريباً، إضافة إلى أنه يتمتع بروح مرحة وحب دعابة، فبدأت حينها التدريبات العنيفة والمكثفة لتأهيله ليكون أول رائد فضاء في العالم في إطار من السرية المطلقة.
المنزل الذي ولد به يوري جاجارين وقد تحول إلى متحف
المنزل الذي ولد به يوري جاجارين وقد تحول إلى متحف

انطلقت عدد من الرحلات غير المأهولة لغرض تطوير المركبة الفضائية فوستوك بلغت خمس رحلات تحمل كلاباً بين مايو وديسمبر 1960، رحلة واحدة فقط حققت نجاحاً، واثنتان بفشل جزئي، واثنتان بفشل كارثي، وبعد هذه النتائج غير المشجعة قرر القائمين على البرنامج أن يتم الترتيب لرحلتين إضافيتين تحمل كلاباً وفئراناً، بسيناريو مطابق لما سيتم تنفيذه على جاجارين وهو التحليق بمدار حول الأرض لمرة واحدة ومن ثم التمهيد للدخول للغلاف الجوي الأرضي ومن ثم مغادرة الكبسولة بالمظلة، انتهت الرحلتان بنجاح مطلق، فتقرر تحديد موعد للرحلة الفعلية آخذين بالاعتبار أن الأمريكيين كانوا قد تقدموا ببرنامجهم الفضائي (ميركوري)، ورغم تردد الروس في إطلاق جاجارين إلا أنهم اضطروا لفعل ذلك حفاظاً على تفوق برنامجهم الفضائي على الأمريكيين من خلال رحلات (سبوتنيك) و(لونا).

قتل في حادثة ظلت من أسرار الدولة لعشرات السنين

كتب الرئيس نيكيتا خروتشوف أمر تنفيذ الرحلة، وكتب جاجارين قبل يومين من الرحلة لزوجته يبلغها بأنها يمكن أن لا تراه مجدداً، وكتبت الحكومة الروسية ثلاثة بيانات مسبقاً، البيان الأول في حال نجاح الرحلة والثاني في حال فشلها والثالث في حال سقوط جاجارين في أرض دولة أخرى أو البحر وطلب المساعدة الدولية، على الرغم من خوف الروس من وقوع المركبة في أرض (معادية) وكشف أسرارهم الفضائية، فأن البرنامج لم يحتوي على سيناريو التدمير الذاتي للمركبة، حتى لا يشعر رائد الفضاء بأنه يحلق بقنبلة فيؤثر على مستواه في قيادة الرحلة بحسب طلب فريق الإعداد والتجهيز، لم يعترض أحد على ذلك سوى ممثل الاستخبارات السوفيتية (كي جي بي)، وبالفعل لم يُركب نظام التدمير الذاتي.
كبسولة العودة في متحف RKK Energia في موسكو ويظهر فيها مجسم بشري لوضعة جاجارين داخلها
كبسولة العودة في متحف RKK Energia في موسكو ويظهر فيها مجسم بشري لوضعة جاجارين داخلها

في تاريخ 12 أبريل 1961 أستيقظ يوري جاجارين الساعة 05:30 صباحاً، أما مدير البرنامج (سيرجيه كوربوليف) لم ينم نهائياً، لأنه كان قلقاً بسبب أن التجهيزات النهائية أظهرت حالة من عدم الطمأنينة للمرحلة الثالثة من الدفع الصاروخي بنسبة 50 %، وعلى الرغم من أنه كان يمازح جاجارين في اللحظات الأخيرة عندما قال له ضاحكاً: «أتمنى أن نراك مجدداً جاجارين» إلا أنه على ما يبدو لم يكن مزاحاً بقدر قلقه الحقيقي من انفجار الصاروخ أمام أعين الجميع، وُضع يوري جاجارين على كرسيه في المركبة بمساعدة الفنيين ولم يكن معه سوى كتاب التعليمات البرمجية في حالة الطوارئ، والذي كان قد أتقنها جيداً في مرحلة التجهيز والتدريب.
طائرة التحليق الأول ليوري جاجارين من طراز ياك -18
طائرة التحليق الأول ليوري جاجارين من طراز ياك -18

هيا نذهب، هكذا قالها جاجارين حرفياً في الثواني الأخيرة قبل الانطلاق والمركبة في حالة اهتزاز مخيفة من هدير المحركات الصاروخية العملاقة، وانطلقت المركبة أخيراً، وما هي إلا لحظات حتى تصدر إشارات الإرسال عن بعد في المركبة معلومات عن مشاكل في الدفع الصاروخي وهو ما كان يخشاه ويتوقعه مدير البرنامج (سيرجيه كوربوليف)، وبعد دقيقتين فقط أصبح كل شيء يعمل جيداً وبحسب خطة الرحلة، فتنفس جميع من كان في قاعدة الفضاء (بايكونور) الصعداء أخيراً، وشعروا أنهم على بعد لحظات من أن يكونوا على عتبات التاريخ برحلة استغرقت 108 دقائق، وأدرك مدير الرحلة حينها أنه سيرى جاجارين مجدداً كما وعده قبل الإطلاق وأنه كان بالفعل يمزح معه.

بعد يومين من الرحلة وفي 14 أبريل 1961 تمت احتفاليات كبيرة في الساحة الحمراء للاحتفاء بما قام به جاجارين، حضرها كافة قيادات الدولة، وعلى رأسهم الرئيس نيكيتا خروتشوف وليونيد بريجنيف، وكان الغرض شعبياً هو إقناع الشعب السوفيتي بأن الاشتراكية هي النهج السليم للدولة، بينما كانت الرسالة الخارجية هي محو الفكرة عن تخلف الروس تكنولوجياً أمام دول العالم الغربي وخاصةً الولايات المتحدة.
يوري جاجارين
يوري جاجارين
رد الفعل الأمريكي كان مهذباً سياسياً، نائب الرئيس ليندون جونسون يقدم التهاني معلنا أن «رحلة يوري جاجارين الشجاعة والرائدة إلى الفضاء فتحت آفاقا جديدة وضربت مثالاً رائعاً لرواد الفضاء في كلا البلدين»، لكن الرئيس جون كينيدي أعلن في مؤتمر صحفي أن الولايات المتحدة لن تحاول اللحاق بالاتحاد السوفياتي في سباق الفضاء، ولكنها ستهزمهم في مجالات نشاط أكثر فائدة للبشرية على المدى الطويل. صحيفة «واشنطن بوست» تطلب تعبئة عامة لهزيمة الاتحاد السوفيتي، يقول فيرنر فون براون، مدير ناسا، إنه «للبقاء في المستوى، سيتعين على الولايات المتحدة الركض نحو الجحيم»، جون  كينيدي في 25 مايو أعلن في خطاب تاريخي أن الولايات المتحدة سترسل رجلًا إلى القمر قبل نهاية العقد.

رغم النجاح الذي حققه يوري جاجارين إلا أن الضريبة كانت انشغاله بالأمور الإدارية مثل إدارة الرحلات الفضائية وتجهيزها بالإضافة إلى الحضور السياسي والاجتماعي والشعبي الذي كلفته بها القيادة السياسية للحزب الشيوعي السوفيتي حينها، فكان نتيجة ذلك أن انقطع جاجارين عن الطيران في سلاح الجو، وفي عام 1968 عاد مرة أخرى للطيران على الطائرات المقاتلة على أن يتم تجهيزه مجدداً لقيادتها والتحليق بدايةً برفقة مدرب، وفي 27 مارس 1968 أقلع يوري بطائرته من طراز ميج 15 في الساعة 10:00 صباحاً تقريباً برفقة العقيد طيار مدرب متمرس فلاديمير سيريوغوين، وبعد أربع دقائق تلقى برج المراقبة اتصالاً من جاجارين يطلب الإذن بالعودة للقاعدة، لتكون هذه آخر الكلمات التي تفوه بها جاجارين قبل اختفاء طائرته، أقلعت المروحيات في عملية بحث واسعة ليتم التبليغ من طواقمها عن تحديد موقع حطام الطائرة والعثور لاحقاً على جثتي الطيارين، تضاربت الأنباء عن سبب السقوط وسط تكتم من أعلى مستويات الدولة، وأعلن حينها عن خلل فني، وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي سنة 90 تسربت بعض الأخبار بأن الحادثة كانت بسبب سوء في قيادة التحليقات أدت إلى اقتراب طائرته من طائرة مقاتلة أخرى لمسافة بضعة أمتار، وهو الأمر الذي دفع جاجارين للقيام بمناورة خطرة لتفاديها، لكن سرعته العالية وارتفاعه على 600 متر فقط وزاوية انحدار بمقدار 70 درجة لم تمهله سوى أقل من 5 ثوان للخروج من هذه الوضعية، أياً كان سبب الحادثة فإنه لم يقم أحد سابقاً بمثل ما قام به، فهو من وضع البشرية على أعتاب الفضاء، فكان يوري جاجارين بأعماله واحداً ممن غيروا وجه التاريخ.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى