رجال في ذاكرة التاريخ: محمد راوح عبدالله.. دخل التاريخ من بوابة أحواض السفن

نجيب محمد يابلي

حافة الأصنج: من حوافي الشيخ عثمان، ضاحية من ضواحي (Township Authority) عدن، وهي شارع رقم (3) من قسم (A) والأصنج هو محمد سعيد صالح الأصنج الذي أنجب الشخصيتين المشهورتين: أحمد الأصنج (والد محمد) وعبدالمجيد الأصنج (والد عبدالله الأصنج)، وكان عميد الأسرة "محرج سمك" وصاحب عدد كبير من العقارات بعضها في نفس الشارع.

من بيوت حافة الأصنج: بيت الأسود - بيت اليابلي - بيت الحجة جميلة (شقيقة علي غانم كليب) - بيت راوح - بيت عبدالله عباد - بيت القاضي - بيت مخاوش - بيت محمد أحمد الأصنج - بيت أحمد الأصنج - بيت عبدالمجيد الأصنج - بيت الحجة نظيرة الأصنج - بيت الوادي - بيت محمد قائد - بيت نبيه باخريبة - بيت بكر - بيت العولقي - بيت السيدو - بيت محسن بركات - بيت أحمد بركات - بيت علي علوان - بيت الشيباني - بيت محمد علي عبده - بيت المقيدح - بيت البعيصي - بيت إسماعيل الهندي - بيت محمد أحمد غالب الذبحاني - بيت دعبش.

بيت راوح عبدالله
محمد راوح عبدالله
محمد راوح عبدالله
أسرة راوح عبدالله من سكان حافة الأصنج وأبناء هذه الأسرة: 1 - عبده 2 - أحمد 3- محمد 4 - مصطفى، وأربع بنات تزوجن من سالم قاسم ومحمد سلام وعلي خان (التواهي) وعبد الرب قاسم.

الميلاد والنشأة
محمد راوح عبدالله من مواليد الشيخ عثمان يوم 7 يوليو 1931م وتوفي والده عام 1955م، (أي وهو في الرابعة من عمره)، وكسائر أقرانه تلقى دروسه القرآنية في طفولته في أحد الكتاتيب (المعلامة)، وكانت منتشرة في سائر أرجاء عدن، وتلقى دراسته الابتدائية والمتوسطة في عدن، ودفعته ظروف الفقر إلى الالتحاق بالعمل كمساعد أمين مستودع في حوض البس العائم (BESS FLOATING DOCK) يوم 14 يوليو 1947 وفي مطلع الخمسينات دعت الحاجة في الشركة لمساعد تشغيل الحوض والتحق به محمد راوح متدرباً واحست قيادة الشركة بأنه صاحب مهارة وذكاء فطري ولغة إنجليزيه وتحت إشراف ناظر الحوض في الشركة (إيطالي الجنسية)، صقلت مواهب محمد راوح ومهارته في العمل الجديد وانشرحت له صدور القائمين على الشركة وأفسح له المجال ليتدرب في تشغيل الحوض العائم، وكانت عدن صاحبة ريادة على مستوى حوض البحر الأحمر والبحر العربي والخليج الفارسي (لاحقاً الخليج العربي) في خدمة إصلاح وصيانة السفن عندما أقدم أنتوني بس الأب 1877 - 1951م بعد الحرب العالمية الثانية، على مشروع ضخم بتأسيس شركة أحواض عدن للسفن المحدودة (Aden DocKyard Ltd) واشترى حوضاً عائماً ويسمي (البنتون) بطاقة رقع 1200 طنـ، وأصبح محمد راوح مقدماً على العمال (FOREMAN).

راوح يتلقى إنذارا من أنتوني بس (الابن)
مع تأسيس النقابات في منتصف خمسينيات القرن الماضي ونشطت المطالب السياسية والحقوقي وكان لعمال ميناء عدن الدور الريادي في الاضرابات، ومنها إضراب أكتوبر 1959م ولحق ضرر كبير بالحوض، وكان على العمال رفع الحوض من الغطس وتأمينه والدخول بعد ذلك من الإضراب، ووجّه أ. بس وشركاؤه (عدن المحدودة) رسالة شديدة اللهجة إلى المقدم على العمال محمد راوح عبدالله، بأن العمال والبحارة تركوا الحوض غائراً في البحر وتم التعامل بروح غير مسؤولة ولم يعملوا حساباً للتبعات البشرية والمادية وإن تكرار مثل هذا السلوك سيعرضه للفصل، بعد مرور أربعين عاماً وفي جلسة مع الذات وهو يقلب أوراق الماضي اعترف محمد راوح بالخطأ الجسيم الذي نتج عن الإضراب.

أ. بس صاحب أيادٍ بيضاء في عدن
أنتوني بس
أنتوني بس
تحمل عدن وأبناؤها مشاعر الوفاء تجاه رجل الأعمال الفرنسي أنتوني بس الأب (1931 - 2006) وانتوني بس (الابن) (1927 - 2016) اللذين قدما الشيء الكثير لعدن منها بناء المدرسة الابتدائية للبنات "نور حيدر" حالياً، في الشيخ عثمان والمعهد الفني بالمعلا ومركز تدريب المرأة في الخليج الأمامي بكريتر، ومن أراد أن يعرف تفاصيل أكثر عن (البس)، فعلية أن يراجع "الأيام" في عددها الصادر في 28 مايو 2005م وموضوع حكايات الخواجة (بس) كما رواها الخبير الإداري عبدالله فقيرة، للكاتب نجيب محمد يابلي ومن أراد معرفة تفاصيل أكثر عن الحوض العائم فعلية مراجعة حلقة رجال الذاكرة، عبدالعزيز أحمد علي (الخال)، في إحدى حلقات "رجال في ذاكرة التاريخ" في 25 نوفمبر 2007م.

تأميم ممتلكات البس ومشاهد مجردة من الذوق والأخلاق
في العام 1969م أممت كافة أصول شركات والوكالات التجارية التابعة لأنتوني بس، وصودر سكنه الشخصي الكائن في معاشق بكريتر مع مقتنياته وأخرجت زوجته مطرودة بأسلوب فج و وغير أخلاقي على الأطلاق، ولم تتمكن من أخذ الصور وهي تجهش بالبكاء وتصرخ "هذا بيتي" وهنا علق محمد راوح باستياء على هذا الطرد بأنه قرار ينم عن حقد دفين لأسرة لها بصمات في الميناء وفي الحركة التجارية بعدن والتي عاشت منها بيوت لا يمكن حصرها.

راوح وصحبة يلتقون مطيع في الطائرة
دعت الحاجة عام 1975م لتجديد وبناء حوض جاف يستوعب سفناً أكبر، ورعى هذا المشروع الرئيس الشهيد، سالم ربيع علي، وسافر لهذا الغرض وفد من الشركة إلى هولندا برئاسة حسين بن سميط، مدير عام الشركة، وعضوية كل من محمد راوح، مشرف الحوض الجاف، وأحمد حميد ملهي نائب المدير للشؤون السياسية، وفي نفس الطائرة التي أقلت أعضاء الوفد كان هناك الأخ محمد صالح مطيع وزير الخارجية، وأثناء ساعات الرحلة إلى القاهرة ووضع مشرف الحوض الفكرة على الوزير مطيع ونصح بعدم هدم الحوض الجاف (المزلق) وبناء حوض جاف أكبر سيأخذ وقتا وستتوقف الخدمات على جهات عديدة مستفيدة ونصح بشراء حوض عائم، واستوعب الوزير مطيع الفكرة لأنه من خريجي المعهد الفني.

أبلغ الوزير المطيع الرئيس الزاهد سالمين بعد عودته إلى عدن والتقى سالمين بأعضاء الوفد بعد عودتهم وتم الإعلان في الصحف المتخصصة في المجال البحري عن حاجة الشركة لشراء حوض عائم بطاقة (4500) طن.

راوح إلى أوربا الغربية مرة أخرى
انهالت العروض من شركاء بناء سفن عالمية وسافر وفد من الشركة برئاسة حسين بن سميط، مدير عام الشركة، وعضوية كل من: محمد راوح عبدالله مشرف الحوض الجاف، وعبدالحافظ علي محمد سكرتير المنظمة القاعدية للحزب في الشركة، إلى عدة دول أوربية غربية وبتوجيهات من سالمين اختصرت المنافسة على شركتين من ألمانيا الغربية واليابان، وفازت اليابانية لأنها قدمت سعراً أقل وموعداً مبكراً للتسليم.
الرئيس سالمين ومحمد راوح يتعانقان عقب حفل تدشين الحوض العائم
الرئيس سالمين ومحمد راوح يتعانقان عقب حفل تدشين الحوض العائم

قانون صيانة الوطن لا يمكّن راوح من رد الجميل
وقعت اتفاقية بناء الحوض العائم بين الجانب اليمني والشركة اليابانية المصنعة في النصف الثاني من عام 1976م، طلب محمد راوح من الشركة المصنعة أن يعدل الخزان الرئيسي إلى خزانات منفصلة لأجل السيطرة في حال التعرض لحادث في قاع الحوض العائم، وقدم راوح مقترحات أخرى ذات طبيعة فنية واقتصادية.
كان اليابانيون يرافقون راوح في الإجازات الأسبوعية، وعندما جاؤوا إلى عدن لم يتمكن من اصطحابهم إلى أماكن بحرية وغير بحرية لقضاء وقت الإجازة لأن قانون صيانة الوطن حال دون خروجه معهم، وقدم اعتذاره لهم ومن جانبهم قدروا ظروفه الخارجة عن الإرادة، فقد فهموا وعرفوا المستور.

راوح وتكليف بن سميط
أصدر حسين بن سميط قراراً إدارياً في أكتوبر 1976م بتشكيل فريق فني لمراقبة سير عمل بناء الحوض العائم في اليابان، برئاسة محمد راوح، وعضوية كل من صالح مهدي المنتصر وعبدالرشيد عبدالرزاق.
بعثت شركة أحواض السفن ثلاثة من فنييها إلى اليابان للالتحاق بالفريق لغرض المراقبة والتدريب وهم: عبدالعزيز أحمد علي (الخال) ومحمد سليمان زيد ومحبوب إسحاق أمين، وفي 16 يناير 1977 باشر الفريق العمل.

استكمل بناء الحوض العائم في 27 مارس 1977م وتم قطر الحوض العائم بحراً إلى ميناء عدن ومنح الفريق شهادات من قبل الشركة اليابانية وعاد الجميع إلى أرض الوطن.

الرئيس سالمين يدشن الحوض العائم
بعد رحلة طويلة من الإبحار تسلم محمد راوح، بصفته رئيس فريق المراقبة على بناء الحوض عند مدخل ميناء عدن، من قبطان قارب القطر الحوض العائم.

بدأ التشغيل التجريبي للحوض العائم في يوليو 1977م، وفي 30 نوفمبر 1977م وبمناسبة الذكرى العاشرة للاستقلال الوطني وبحضور سفراء البعثات الدبلوماسية العربية والأجنبية، دشن الرئيس سالمين الحوض العائم وأطلق عليه اسم (حوض اليمن) ونيابة عن قيادة وعمال وموظفي الشركة، قام محمد راوح عبدالله بتسليم مجسم مصغر لحوض العائم للرئيس سالمين.

عدم انتماء راوح للحزب سبب له متاعب
بعد 5 سنوات من تدشين الحوض العائم، منح شرف الحوض والمزلق محمد راوح عبدالله درجة (ك 7)، وظيفة جديدة "ربان الحوض العائم والمزلق بدرجة ق 7)، براتب قدرة 130 دينارا، وتأخرت درجته كثيراً لأنه لم يكن عضواً في الحزب، ووجه له انتقاد حاد لعدم انضمامه للتنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية.

عواقب تعيين مدير عام من خارج الشركة
صدر قرار تبعيين مدير عام لشركة أحواض السفن من خارج الشركة في نهاية عام 1982م، وجاءت فكرة إنشاء حوض جاف وكانت الفكرة موجودة في الأدراج، وسافر وفد من الشركة ترأس المدير العام الجديد إلى بريطانيا ولم يحالفهم التوفيق فطلبت وزارة النقل من ربان الحوض العائم والمزلق محمد راوح عبدالله أن يوقع على التقرير مع آخرين إلا أنه رفض التوقيع معللاً ذلك بأنه لم يشارك في المحادثات وكيف له أن يوقع على شيء لا علم له به وأغلق الملف بعد ذلك.

راوح يحال للتقاعد
أحيل محمد راوح عبدالله للتقاعد في 7 ديسمبر 1983م بعد خدمة دامت 36 عاماً إلا أن الشركة تعاقدت معه لحاجتها إليه إلا أنه وصل إلى قناعة بعدم إمكانية استمراره لأسباب لا داعي لذكرها.
وفي عام 1984م رسمت سياسة اقتصادية جديدة تمكن القطاع الخاص بالمشاركة الاقتصادية، فعمل مشرفاً على الإنتاج في مصنع لإنتاج القواعد الكهربائية لأجهزه الإضاءة مع رجل الأعمال عبدالرحيم، الا أن المصنع تعثر لعدم توفر العملة الصعبة لشراء المواد الخام.

الشركة تستعين بمحمد راوح
حصل حادث في الحوض العائم عام 1986م تعرضت له إحدى السفن وكان مشرف الحوض سوفيتياً، فاستعانت الشركة بمحمد راوح لرفع تقرير فني، وقال فيه إن المشرف السوفيتي تجاهل تكليف الغواصين أحمد محمد المصري ومحفوظ عوض حضرمي من التأكد أن قاع السفينة كان في الوضع السليم لوقوفها على قواعد الحوض العائم.

راوح بين حلّ وترحال
كان محمد راوح، رحمة الله، رجلاً مستقيماً وجاداً في عملة رغم تحليه بروح ساخرة محبة للنكتة والتعليقات الساخرة ووجد نفسه أمام ظروف لها خصوصيتها، وعاش متنقلاً بين أولاده المقيمين في السعودية وبريطانيا وصنعاء ومسقط رأسه عدن، ووجد نفسه في حل وترحال، وتوفي في المستشفى الجمهوري بصنعاء يوم الخميس 8 يونيو 2006م عن عمر ناهز 75 عاماً.

كان فقيدنا محمد راوح عبدالله متزوجاً من الفاضلة عزيزة عبدالله سعيد القاضي، رحمها الله، شقيقة الأديب عبدالمجيد القاضي، والمناضل محمد القاضي محمد شاكر، ود. أحمد القاضي وشكيب القاضي وعبدالرحمن القاضي وحامد القاضي، وأنجبت من شريك حياتها ورفيق دربها محمد راوح تسعة أولاد الذكور منهم:

1 - فكري 2 - شكري 3 - وجدي 4 - رشدي 5 - رمزي 6 - شادي.
وثلاث من البنات، مدرسة 2 - طبيبة أطفال 3 - ربة بيت.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى