الأحد, 28 يونيو 2026
117
ليست كل الكوارث تأتي على هيئة قذيفة أو رصاصة، فبعضها ينبت في الأرض، يُسقى بالماء، ويُباع في الأسواق، ثم يدخل البيوت بابتسامة، قبل أن يخرج منها المال والوقت والصحة والسكينة.
ذلك هو القات... النبتة التي نجحت، عبر عقود طويلة، في أن تحتل العقول قبل أن تحتل الجيوب، حتى صار كثير من الناس ينظرون إليها وكأنها جزء من الهوية، بينما هي في الحقيقة واحدة من أكبر أسباب استنزاف المجتمع اليمني.
القات لا يسرق المال فقط، بل يسرق العمر. ساعات طويلة تضيع كل يوم في جلسات لا تضيف إلى الإنتاج شيئًا، ولا تبني اقتصادًا، ولا تربي أبناءً، ولا تصنع مستقبلًا. ولو جُمعت تلك الساعات المهدرة على مستوى الوطن، لوجدنا أننا نهدر ملايين الساعات سنويًا في عادة لا تجلب إلا مزيدًا من التراجع.
ومن الناحية الاقتصادية، يتحول القات إلى حفرة تبتلع دخل الأسرة. موظف يستلم راتبه في أول الشهر، فيذهب جزء كبير منه إلى شراء القات، بينما تؤجل احتياجات الأطفال، وتتراكم الديون، ويُحرم البيت من أبسط متطلبات الحياة. والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا من الأسر تشكو الفقر، لكنها لا تستطيع الاستغناء عن هذه النبتة.
أما الأسرة، فهي الضحية الأكثر صمتًا. أب يغيب نصف يومه في جلسة قات، وأم تتحمل وحدها أعباء المنزل، وأطفال ينتظرون كلمة أو جلسة أو اهتمامًا لا يأتي. يكبر الأبناء وهم يرون القات أولوية تتقدم على الحوار، وعلى التربية، وعلى دفء الأسرة، فتنتقل العادة من جيل إلى آخر وكأنها قدر لا يمكن الفكاك منه.
ولم يقف ضرره عند هذا الحد، بل امتد إلى الصحة. فالإفراط في تعاطيه، وما يصاحبه في كثير من الأحيان من استخدام المبيدات الزراعية، جعل كثيرين يدفعون ثمنًا باهظًا من صحتهم، فضلًا عن آثاره النفسية والجسدية المعروفة، وما يسببه من اضطرابات في النوم والإجهاد وتراجع النشاط.
وعلى مستوى المجتمع، أصبح القات ثقافة تستهلك الطاقات. تتوقف الأعمال مبكرًا، وتُؤجل المواعيد، وتنخفض الإنتاجية، وكأن البلد اتفق على أن يعلق نصف يومه كل يوم. وفي عالم تتنافس فيه الأمم على كل دقيقة، ما زلنا نهدر ساعاتنا في عادة لا تصنع علمًا ولا اقتصادًا ولا حضارة.
ولا يمكن إغفال أثره الزراعي. فمساحات واسعة من الأراضي الخصبة خُصصت لزراعة القات بدلًا من الحبوب والفواكه والخضروات، كما استنزف المياه الجوفية في بلد يعاني أصلًا من شح المياه، ليصبح خطره بيئيًا وغذائيًا إلى جانب خطره الاجتماعي والاقتصادي.
المؤلم أن كثيرين يعرفون هذه الأضرار، لكنهم استسلموا لها تحت شعار: "هذه عادتنا". غير أن العادات ليست مقدسة، وما دام الإنسان هو من صنعها، فهو قادر على تغييرها متى أدرك أن ثمنها أصبح أكبر من فائدتها.
إن معركة اليمن ليست فقط مع الفقر أو الحرب أو الفساد، بل أيضًا مع كل عادة تعيق النهوض. ولن يكون بناء الإنسان ممكنًا ما دام جزء كبير من وقته وماله وصحته يُستنزف يوميًا في نبتة لا تنتج إلا مزيدًا من التراجع.
ليس المطلوب أن يُفرض التغيير بالقوة، وإنما أن يبدأ بالوعي. فالوعي هو أول خطوة في تحرير الإنسان من كل ما يقيده، والقات أحد أثقل تلك القيود.
فربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصدق: كم من الأحلام ضاعت في جلسة قات؟ وكم من أسرة دفعت ثمن هذه النبتة؟ وكم من وطن تأخر لأن أبناءه اعتادوا أن يمضغوا الوقت بدلًا من أن يصنعوا المستقبل؟