الأربعاء, 02 سبتمبر 2026
58
في اختبار القيم الكبرى لا تُقاس المواقف بحجم الصوت، وإنما بصدق الدافع وسلامة الغاية. ولطالما كان مسجد المناصرين في حي بلوك 12 شاهدًا على أن بيوت الله حين تُصان تصون أهلها، وحين تُحترم تحرس المجتمع. فقد ظل على مدى عقود منارة سكينة، ومدرسة أدب، وفضاء جامعا لا يعرف الإقصاء ولا يخضع للمغالبة، وأمانة ورثناها كابرا عن كابر، وواجبنا أن نسلمها لمن بعدنا كما يرضي الله ورسوله.
إن محضر الصلح الذي تم توثيقه أمام الجهات المعنية لم يكن ورقة تُطوى في الأدراج، بل كان ميثاقًا مجتمعيًا وقراءة راشدة لمصلحة الحي كله. جعل من حرمة المسجد سقفًا لا يُتجاوز، ومن السلم الأهلي بوصلة لا تحيد، ومن رضا المصلين وقبولهم شرطا جوهريا في إدارة الشأن الديني العام. فالمسجد ليس وظيفة تُمنح ولا ملكية تُورث، وإنما هو تكليف وأمانة عامة تُبنى على الشورى وعلى توافق أهل الحي الذين سيأتمون بإمامهم في دينهم ودنياهم.
واليوم إذ نرى استجابة الجهات المختصة وإنفاذها لما تم الاتفاق عليه، فإننا ندرك أن هذه الاستجابة ليست انتصارا لجهة على أخرى، بل هي انتصار لمعنى الدولة ومعنى القانون ومعنى أن المصلحة العامة العليا تُقدم على ما سواها. وهي تأكيد على أن هيبة المسجد من هيبة الدولة، وأن صيانة بيوت الله صيانة للنسيج الاجتماعي كله. وإننا إذ نثمن هذا الموقف المسؤول نؤكد أن مقصدنا لم يكن يوما الإقصاء ولا التشهير، وإنما كان إعادة الاعتبار لمؤسسة المسجد باعتبارها فضاء للوحدة، وميدانا للتربية، وملاذا تتعافى فيه النفوس وتتوحد فيه الكلمة.
لقد دلتنا التجارب أن تأخير المعالجة يوسع دائرة الخلاف، وأن التهاون مع التجاوز الصغير يفتح بابا للفتنة الكبيرة. ومن هنا كان لزاما علينا أن نتكلم، لا من موقع الخصومة، ولكن من موقع النصيحة ومن موقع المسؤولية المجتمعية. وقد برهن أهالي بلوك 12 أنهم أهل حكمة حين اختاروا لغة البيان والقانون والطرق السلمية، وأثبتوا أن الانتماء الحق هو أن نقول الحق بأدب، وأن نطالب به بمسؤولية، وأن نحرس السلم الأهلي كما نحرس أبناءنا.
وإن المرحلة القادمة تدعونا جميعا إلى منطق الترميم لا الهدم، وإلى ثقافة البناء لا المعايرة، وإلى استيعاب الجميع في إطار الاحترام المتبادل والمرجعية الواحدة. فاختيار من يؤم الناس مسؤولية عظيمة لا تُختزل في الأفراد، بل تُبنى على التوافق المجتمعي وعلى الكفاءة وعلى ما يحقق الطمأنينة العامة. والإمامة تكليف قبل أن تكون تشريفا، وهي سؤال أمام الله قبل أن تكون سؤالًا أمام الناس.
ختامًا نرفع أسمى آيات الشكر والتقدير لكل جهة تحملت مسؤوليتها، ولكل يد امتدت لإطفاء نار الفتنة قبل اشتعالها، ولكل من آثر كلمة الحق على ما سواها. ونجدد العهد أن يبقى مسجد المناصرين بيتا مفتوحا للجميع، ومنبرًا للوحدة، ومدرسة للقيم، محصنًا بإرادة أهله وبالقانون وبحرمة المكان.
"اللهم اجعل هذا البلد آمنًا، واجعل مساجدنا عامرة بذكرك، وقلوب أهلها مجتمعة على طاعتك، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن".