الحرب على حضرموت!

صلاح مبارك

ماذا فعلت حضرموت حتى تحمل كل هذه الأوزار والأثقال من هموم ومنغصات التي كدرت بحياة الناس وأزهقت عيشتهم وحولتها إلى أوجاع، فحضرموت لم تمر بمرحلة وعهد كهذا، وكأنه قدرًا عليها أن تكابده لارتكبها جرمًا، أو تكفر عن خطيئة، أو عقابًا وانتقامًا من تجربة نجاحها اللافت بسواعد رجالها وقوات نخبتها الباسلة ومساندة قبائلها ودعم وإسناد التحالف العربي في سحق عناصر الإرهاب الخسيس وتطهير الساحل الحضرمي من رجسه، وسرعة تطبيع أوضاع الحياة في فترة وجيزة وبأقل التكاليف، ومن ثم بسط الأمن والأمان والسلام.. وهو أمر لا تفسير له إلا أن يكون هذا الفعل "ليا للذراع" وبمثابة انكسار لقيادة حضرموت وموقف نخبتها السياسية والاجتماعية الواعي الممانع من الانحدار في جب الفوضى والاقتتال الميليشاوي، ورفضهم الإذعان والارتهان للتبعية العمياء، والسقوط في براثن الاملاءات التي هي منبت الضغائن وشرور الفتن ومعيقة لحركة الانطلاق للملمة الصفوف نحو ما يدعم الاستقرار العام، وما يعزز وحدة النسيج الاجتماعي الواحد ووئامه، بعيدًا عن استدعاء الماضي السياسي بكل تجاذباته ومماحكاته.

لكن الجميع يدرك أن الحرب الحقيقية فرضت ظروفًا قاسية وواقعًا مأساويًا على المناطق الدائرة فيها، والمحافظات التي تسمى بـ "المحررة"، ومنها حضرموت التي تحملت فوق طاقتها من أعباء عديدة أمنية واقتصادية ومعيشية وخدمية.. بيد أن هناك متاعب إضافية أخرى وعثرات جمة أثقلت كاهلها وهي من صنيع بعض من المحسوبين على حكومة الشرعية وممن يدعون نصرتها، خاصة ممن هم على مقربة من المطبخ السياسي والإعلامي في الرياض، وقد خلفت تلك العوائق أتعابًا ووهنًا للسلطة المحلية، وكأن هناك من يستمرئ فعل هذه الممارسات غير السوية واللا مسؤولة لصناعة الفشل والتعجيز، فيعمل المكيدة تلو الأخرى ومنها الإقصاء الممنهج للكوادر والكفاءات الحضرمية، والتسويف والتجاهل للنداءات والاستغاثات لأبسط الخدمات والحقوق ربما لغايات شيطانية أو إرضاء للنفوس المريضة التي لا ترتجي تحسنًا ولا تطورًا في الداخل، ومثل هذه الموبقات موثقة، ولا تقل خطورة عن حرب الخدمات الجائرة..

ولاشك أن ما مرت به حضرموت ولا زالت من ظروف صعبة وبالغة التعقيد، هو مأزق خطير فرضه اهتزاز وفقدان الثقة في التعامل مع الحكومة وغياب تدخلاتها لا سيما في القيام بواجبها اتجاه الملف الخدمي والإيفاء بمتطلباته، ولعل الأبرز في ذلك أزمات الكهرباء وانقطاعاتها المزعجة وتضاءل الأمل في المعالجة العاجلة وفي سداد مستحقات موردي المشتقات وما يسمي بـ "الطاقة المشتراة" وتوفير وقود التشغيل لمولدات الكهرباء، وقد اقترح مختصون وخبراء حلولا تبدو منطقيةً وقابلة للتنفيذ، ليس ذلك فحسب بل إن حضرموت ذهبت بوفد رسمي ومجتمعي لعدن باحثة عن معالجة، غير أنه عاد خالي الوفاض، وعقد في 13 يوليو الماضي لقاءً موسعًا في المكلا جمع قيادات السلطة، تنفيذية وعسكرية، وأطياف المجتمع ومكوناته للتشاور حول ما ينبغي اتخاذه، وليس سرّا أن نتائج ذلك اللقاء حظيت بتأييد شعبي واسع، وحس انتماءٍ عالٍ ورغبةٍ حقيقية من الجميع في أن تطوى صفحات العسر، ويرفع الأذى والغبن عن حضرموت وإعطاؤها ما تستحقه من حقوق عادلة ومشروعة، مما وضع السلطات المركزية في حرجٍ كبير وجعلها تراقب وتذعن للمطالب وإمكانية تلبيتها..

لكن "الفتيت على الجيعان بطئ" فالمعاناة كبرت والشرخ توسع، فلم تعد تنحصر على خدمات الكهرباء المتردية، بل امتدت إلى المياه والاتصالات في المدن، أما الأرياف "خلها مستورة"، بالإضافة إلى هزالة في موازنات التشغيل لمرافق ومكاتب السلطة المحلية، وتهالك البنى التحتية للطرقات، وغياب للتوظيف والاستيعاب وخلق فرص العمل للشباب في الجهاز الحكومي والشركات العاملة، والاختلال الأمني في الوادي، وغيرها، ووصل الكيل إلى التلكؤ في تحويل الحصة المالية الضئيلة من مبيعات نفط حضرموت الخام والمقرة بـ 20 % و "غلاق القفلة" إيقاف صرف رواتب منتسبي المنطقة العسكرية الثانية منذ نحو ستة أشهر، في استهتار فاضح وتحد سافر للحضارم الذين كبتوا غيضهم مما يحدث من نهب واستنزاف لثرواتهم ومنها النفطية في وضح النهار، مما ينذر بعواقب وخيمة ما لم يتم الإنصاف والعدل.

وأمام ذلك نتمنّى من الرئيس شخصيًا والتحالف النظر لأوضاع مطالب الشعب في حضرموت، واتخاذ خطوة جريئة في اتجاه حل عادل وعاجل لإسدال هذه المعاناة ورفع الضيم قبل فوات الأوان، وتطويق تفاعلات الغضب والاحتقان الشعبي وتداعياتها المحتملة.

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى