الجنوب واللعنة

لعنة الموقع الجغرافي الهام للجنوب مازالت تطارد الشعب الجنوبي منذ انفتاح العالم عليه ورسو سفنه على سواحله ونزول الكشافة المستطلعين أرضه على طريق التجارة العالمية.
وحتى يومنا هذا يشهد الجنوب رغبة خارجية جامحة للوصول إليه والتمتع بالتموضع المسيطر على الخط الرابط بين الشرق والغرب.

لم يعرف الجنوب الاستقرار ولم يذق شعبه طعم السكينة والهدوء إسوة بجاره الشمال اليمني ذي الموقع القصي المستغرق في الاستقرار والهدوء حد النسيان ردحا من الزمان أحاله إلى محمية طبيعية يسكنها شعب محاط بسياج ماضوي منيع لـ1000 عام من حكم الأئمة الزيدية.
ككاتب جنوبي مازالت حتى اللحظة تسري في قلمي رعشة من عدم الاستقرار مرّرتها إلي ذاكرتي الجينية الجنوبية غير المستقرة والمستفزة تاريخيا بالحروب والصراعات، في الوقت الذي يظهر فيه زعيم أنصار الله الحوثيين، عبدالملك الحوثي، هادئا مطمئنا مخاطبا الشعب بالقول "شعبي اليمني" مستحضرا من ذاكرته الجينية حقه السلالي في الحكم.. فيستحضر شعبه الشمال طمأنينة السمع والطاعة المتراصفة فوق بعضها تراصفا سيكولوجيا منقطع النظير لا تثيره أية قلاقل أو زوبعة بينية، وإذا بدت تظهر في المنطقة الشافعية الأدنى إما حملها للنهوض وغزو الجنوب لإشغاله أو راح للتموضع في دار حكمه في مدينة تعز، وإذا سئل ما الذي تفعله هنا؟ أجاب على الفور: أنا جالس فوق بيارة مجاري إذا رحلت ستنفجر!

حاليا يكرر التاريخ نفسه في صورة هزلية، فبعد أن تلاشت الأسباب العقدية لحروب دولة الأئمة الزيدية مطلع القرن العشرين، لاذ حاكم المملكة المتوكلية بالفرار من التاريخ للجغرافيا بلجوئه إلى إلحاق مسمى "اليمنية" بمملكته المهددة بقيام الثورات العربية وثقافتها القومية المنحلة عن فكرة الخلافة الإسلامية لتتصل بهوياتها المحلية. بسرعة سد الحاكم الزيدي النقص العقائدي لحكمه بزيادة المسمى الجغرافي الجهوي "اليمن" قاطعا الطريق على الدواعي القومية الثائرة ضده، ومصدرا مسمى جهويا فضفاضا يذيب فيه عدم انتمائه السلالي للمكان في هذا الكيان السياسي المدعى العصي على تملك وحيازة عناصر المجتمع المحلي.

طار الثوار القوميون في الجنوب ضد الاستعمار البريطاني بفكرة مسمى "اليمن" عاليا، وأرادوها تلتصق بالهوية الجنوبية التصاقا وحدويا بالشمال اليمني. ليضيفوا لعنة أخرى لشعب الجنوب إلى لعنة موقعه الجغرافي الهام جالب الحظ العاثر المليء بالصراعات والحروب، لعنة إضافية أخرى بدت وكأنها لا تطارد الجنوب فحسب بل تطارد العالم أجمع وهي تجر خلفها أذيال وأجندات التدخلات الخارجية المهددة الأمن والسلم الدوليين من كل حدب وصوب، لا ولم ولن تنتهي إلا بسيادة الشعب الجنوبي على أرضه، وماعدا ذلك من حلول غير مجدية ولا نافعة بأي حال من الأحوال.​

أخبار متعلقة

تعليقات فيسبوك

Back to top button
زر الذهاب إلى الأعلى